يرتبط النقاش حول التصوف في المغرب بأسئلة تتجاوز الممارسات المتداولة حول الزوايا والأضرحة والمواسم، لتصل إلى طبيعة العلاقة بالتراث الروحي وبالذاكرة الدينية والثقافية. ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي، تتجدد السجالات المعتادة بشأن حكم الاحتفال بالمناسبة، بين من يراه تعبيراً عن المحبة والفرح بمولد الرسول، ومن يعدّه بدعة أو يذهب إلى تحريمه. غير أن مقاربة هذه المسائل لا تقتصر على جانبها الفقهي، بل تشمل السياق الذي منح المولد مكانة مستقرة في الوجدان المغربي، وصلته بالتكوين الصوفي الذي رافق تاريخ البلاد قروناً طويلة.
ويستدعي تناول هذا الموضوع التمييز بين النقد المشروع للممارسات المنحرفة وبين تعميم الحكم على التصوف برمته. فمواجهة الخرافة والدجل واستغلال حاجات الناس أو منح بعض الأشخاص سلطة دينية مطلقة تظل ضرورية، كما أن النسب الشريف أو الصلاح لا يمنحان صاحبهما حصانة من النقد. لكن الانتقال من مساءلة ممارسات بعينها إلى إدانة ظاهرة واسعة ومعقدة قد يؤدي إلى اختزال يطمس الفوارق بين التجربة الصوفية، والطقوس الشعبية، وما تراكم حولها من معتقدات محلية وأساطير.
ويُفهم التصوف، في أحد وجوهه، بوصفه مساراً لتزكية النفس وتهذيب السلوك والارتقاء بمعاني الإحسان. أما الطريقة الصوفية فهي إطار تربوي وروحي، فيما تمثل الزاوية مؤسسة تاريخية ذات وظائف متعددة. ولا يمكن إلحاق كل ما يجري قرب الأضرحة أو كل ما يروى عن الكرامات بالتصوف أو بعقيدته. فاختزال هذه المستويات في مفهوم واحد يفضي إلى صورة غير دقيقة لتاريخ التدين المغربي وتنوع تعبيراته.
وقد أدت الزوايا في مراحل مختلفة أدواراً تعليمية واجتماعية، إذ احتضنت تعلّم العلوم والتربية، وقدمت الإطعام والإيواء للطلبة والمسافرين، وأسهمت في التكافل والوساطة والتحكيم. كما اضطلعت بعض الزوايا، في ظروف تاريخية محددة، بأدوار في المقاومة ومواجهة الأخطار الخارجية، وفي تخفيف النزاعات المحلية وحفظ السلم الاجتماعي. وفي بعض البيئات، شغل شيوخها موقع الوسيط بين السلطة والمجتمع وبين القبائل والجماعات المتخاصمة. ولا يلغي ذلك ما عرفته مؤسسات زوايا من إخفاقات أو انحرافات أو استغلال للنفوذ الديني والاجتماعي، لكنه يجعل من غير الدقيق رد تاريخها كله إلى الضريح والموسم والدجل.
وتبرز كذلك ضرورة الفصل بين توقير آل البيت وتقديس الأشخاص. فمحبة آل البيت ومكانتهم حاضرتان في الوجدان الإسلامي والمغربي، ويظل النسب الشريف موضع اعتزاز باعتباره صلة رمزية بالرسول، لكنه لا يرفع الإنسان فوق الخطأ ولا يمنحه العصمة. والتوقير لا يتحول إلى عبادة، كما أن الولاية، إن ثبتت، لا تعني امتلاك معرفة الغيب. ويقتضي هذا الفهم تجنب طرفين متقابلين: المبالغة التي تنتهي إلى التقديس، والرفض الذي يجعل من كل تعبير عن المحبة أو الاحترام موضع اتهام.
وفي ما يخص المولد النبوي، يظل الخلاف الفقهي قائماً وله مجاله العلمي، من دون أن يبرر إغلاق باب الاجتهاد أو تبادل الاتهامات. غير أن المناسبة تحمل أيضاً دلالات ثقافية وروحية في المغرب، حيث ارتبطت بمجالس الصلاة على الرسول، والمدائح النبوية، وقراءة السيرة، وإطعام الطعام واجتماع الناس. ويستدعي هذا الحضور سؤالاً عن مدى تحوّل المحبة إلى سلوك، من خلال الرحمة والصدق والتواضع والإنصاف والعفو وصون كرامة الإنسان.
كما يمتلك التصوف المغربي امتداداً تاريخياً في مناطق واسعة من إفريقيا، عبر شبكات العلماء والطرق والزوايا والروابط الثقافية والروحية. وقد أسهم ذلك في بناء صلات لا تقوم على المصالح وحدها، بل على ذاكرة مشتركة وتقاليد دينية وعلمية. ويجعل هذا الرصيد من التصوف عنصراً يمكن استثماره ضمن الحضور الحضاري للمغرب، شرط استعادة أسسه القائمة على الاعتدال والتربية والتسامح والوساطة والتعايش، لا تسويق الممارسات التي تفرغه من معناه.
ولا يقتضي التعامل المتوازن مع هذا التراث إلغاء التصوف أو تحصينه من المراجعة. فالحاجة قائمة إلى قراءة تميز بين الولاية والدجل، وبين الزاوية كمؤسسة تاريخية وما علق بها من تجاوزات، وبين التعبير الثقافي والروحي عن محبة الرسول وتحويل أي ممارسة إلى حكم نهائي لا يقبل النقاش. فالتراث يُدرس ويُنقد ويُنقّى، مع حفظ ما يعزز القيم الإنسانية ورفض ما يتعارض مع العقل والشرع وكرامة الإنسان.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97778378/...