لم يعد التحضر في أفريقيا مجرد تحول مرتقب خلال العقود المقبلة، بل أصبح واقعا قائما تظهر ملامحه في اتساع المدن وازدياد الكثافة السكانية في الأرياف أيضا. ويقدم بوروندي مثالا على هذا التداخل، إذ يعيش فيه أربعة عشر مليون نسمة على مساحة تعادل مساحة منطقة بريتاني الفرنسية، بينما يقل عدد سكان المنطقة الفرنسية أربع مرات عن عدد سكانه. وتضع هذه المقارنة حجم السكان إلى جانب محدودية المساحة، بعيدا عن الاقتصار على تعداد المدن الكبرى وحدها.
ويشكل بوروندي، مع رواندا المجاورة، مركز الكثافة السكانية في منطقة البحيرات الكبرى، وهو أحد أربعة مراكز رئيسية للتركز السكاني في أفريقيا جنوب الصحراء. وتقع المراكز الثلاثة الأخرى في غرب أفريقيا وإثيوبيا وملاوي. وتعرض هذه الخريطة توزيعا للكثافات المرتفعة بين مناطق مختلفة من القارة، في وقت تتكاثف فيه التجمعات الريفية ويستمر نمو المدن، بما يجعل الفصل بين المشهدين الريفي والحضري أقل وضوحا في بعض المناطق.
وبحسب قياس أفريكابوليس الذي نقلته مجلة ذي إيكونوميست، تبلغ نسبة سكان المدن في بوروندي 78%، وهي نسبة تقترب من نظيرتها في فرنسا. وترد هذه النسبة مرتبطة تحديدا بمنهج القياس المذكور، لا بوصفها رقما مستقلا عن مصدره. فمشروع أفريكابوليس، الذي تقوده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يعد التجمع حضريا متى تجاوز عدد سكانه عشرة آلاف نسمة في مبان لا تزيد المسافة بينها على مئتي متر، في حين لا تتجاوز نسبة التحضر في بوروندي وفق الإحصاءات الرسمية المعتمدة لدى الأمم المتحدة نحو 15%. وقد قدمت المجلة بوروندي باعتباره حالة يصعب معها الفصل بصورة حاسمة بين بلد ذي تجمعات سكانية كثيفة وفضاء حضري واسع، في وصف يجمع بين صغر المساحة وكثرة السكان.
وتبرز المقارنة مع فرنسا جانبا من الصورة التي يعرضها هذا القياس: فالحديث عن بلد أفريقي مرتفع الكثافة لا يعني بالضرورة أن معظم سكانه يعيشون خارج المجالات المصنفة حضرية. وفي حالة بوروندي، تقترن النسبة المرتفعة التي يوردها أفريكابوليس بواقع سكاني يتجاوز المدن المعروفة، ضمن منطقة تضم أيضا رواندا وتعد من أبرز مواطن التركز البشري في أفريقيا جنوب الصحراء.
أما على مستوى القارة، فتتوقع الأمم المتحدة زيادة عدد سكان المدن بنحو 600 مليون نسمة بحلول عام 2050. ويتعلق الرقم بسكان حضريين إضافيين، وليس بإجمالي سكان المدن الأفريقية عند ذلك التاريخ. وبذلك، تضاف الزيادة المتوقعة إلى واقع حضري قائم بالفعل، تتوزع فيه التجمعات السكانية بين مدن متضخمة ومناطق تشهد ارتفاعا متواصلا في كثافتها، كما يبين المثال الوارد من منطقة البحيرات الكبرى.
وفي هذا الواقع، تحتل الأحياء غير الرسمية مكانا بارزا، إذ يقيم فيها نحو 240 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان المدن الأفريقية. وتضع هذه المعطيات أوضاع السكن ضمن التحديات المصاحبة للتحضر، إلى جانب الزيادة المنتظرة في أعداد السكان. فالمسألة لا تقتصر على حجم النمو المقبل، بل تشمل أيضا طبيعة المناطق التي يعيش فيها جزء كبير من السكان الحضريين حاليا.
وتعرض لاغوس في نيجيريا وجها آخر لهذه التحديات. فالمدينة، التي يتجاوز عدد سكانها 20 مليون نسمة وفق بعض التقديرات، تعد من أكثر مدن القارة سكانا وكثافة. غير أن معظم امتدادها يقع على ارتفاع يقل عن مترين فوق مستوى المحيط، وهو ما يربط واقعها الحضري بمخاطر الغمر. ووفقا لأسوأ السيناريوهات المطروحة، قد تتعرض المدينة للغمر بحلول عام 2100؛ ويظل هذا الاحتمال مرتبطا بتلك السيناريوهات، وليس نتيجة مؤكدة.
وتجمع هذه المعطيات بين ثلاثة أبعاد للتحضر الأفريقي: كثافات مرتفعة قائمة بالفعل، وزيادة كبيرة مرتقبة في السكان الحضريين، ومخاطر تواجه بعض المدن الساحلية. وبين بوروندي ولاغوس، تختلف صورة التجمع السكاني، لكن الحالتين توضحان أن التحضر في القارة ليس مسألة مستقبلية فقط، وأن تحدياته تشمل أوضاع السكن الحالية وموقع المدن، إلى جانب أعداد سكانها.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/98...