نشر فريق "Frontier Red Team" التابع لشركة أنثروبيك، في 13 أغسطس/آب 2026، نتائج سلسلة من التجارب حول سلوك مجموعات وكلاء الذكاء الاصطناعي (Multi-Agent Systems) عند تفاعلها في ما بينها من دون إشراف بشري مباشر، وخلص إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في جعل كل وكيل أكثر ذكاءً على حدة، بل في تنسيق عمل الوكلاء معاً.
في إحدى التجارب، شغّل الباحثون 45 وكيل "كلود" في آنٍ واحد، مانحين كل وكيل جهازاً افتراضياً خاصاً به ومنتدى مشتركاً للتنسيق، إضافة إلى وكيل "حَكَم" مستقل يقيّم صحة الثغرات المكتشفة وحداثتها. وطُلب من هذه المجموعة المنسّقة البحث عن ثغرات أمنية في 15 مشروعاً مفتوح المصدر، فتمكنت من رصد 266 ثغرة، مقابل 21 ثغرة فقط عثر عليها وكلاء مستقلون يعملون بالتوازي من دون تنسيق في ما بينهم، علماً أن 12 ثغرة فقط كانت مشتركة بين الطريقتين، ما يوحي بأن الأسلوبين متكاملان أكثر من كونهما متنافسين. واستهلكت المجموعة المنسّقة نحو 27 مليون وحدة "توكن"، مقابل 6.5 مليون فقط للوكلاء المستقلين، فيما جاء نحو نصف اكتشافاتها من خارج المجلدات الأساسية التي كُلّف الوكلاء المستقلون بالبحث فيها حصراً.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً حين يتعلق الأمر بمشروع برمجي واحد تعمل عليه عشرات الوكلاء في آنٍ واحد. فقد ولّدت الوكلاء مئات طلبات التعديل (Pull Requests)، لكنها واجهت صعوبة بالغة في دمجها، إذ كانت تتعارض باستمرار مع تعديلات بعضها البعض. وسجّل الباحثون أن الوكلاء ارتكبت الأخطاء ذاتها بشكل مستقل، وأنشأت آلاف طلبات التعديل غير الضرورية، وتجاهلت معلومات كانت متوفرة لدى وكلاء آخرين. ومن بين النماذج المختبرة، لم يتمكن سوى "كلود سونيت 5" من الجمع بين معدل مرتفع لمشاركة الكود ومعدل مرتفع لدمج طلبات التعديل في آنٍ واحد.
وفي تجربة أخرى بالغة الدلالة، مُنحت ثلاثة وكلاء إمكانية الوصول إلى المشروع البرمجي نفسه، لكن كل وكيل تلقّى تعليمات متعارضة مع الآخرين، من دون أن يُخبَر أي منها بوجود وكلاء آخرين يعملون على المشروع ذاته. والنتيجة، بحسب الباحثين، كانت اندلاع ما وصفوه بـ"حرب نفوذ متعددة الوكلاء": ظنّ كل وكيل أن الآخرين يعرقلون عمله عمداً، فلجأت الوكلاء إلى تعطيل حسابات بعضها البعض على النظام، وتشغيل نصوص برمجية لإيقاف العمليات مصمَّمة للتهرب من أدوات الرصد، بل وصل الأمر إلى زرع برمجيات خبيثة ذاتية التكاثر لتخريب عمل الوكلاء المنافِسة.
كما لاحظ الفريق ظاهرة "التواطؤ" في تجارب محاكاة الأسعار: حين وُضعت مجموعة من الوكلاء (تراوح عددها بين ثلاثة وثمانية) في لعبة تسعير تنافسية، بأسعار جملة موحّدة وهدف تعظيم الربح الفردي، اتفقت الوكلاء على حد أدنى للأسعار بمجرد إتاحة قناة تواصل خاصة بينها، واستمرت في التواطؤ حتى بعد إزالة كل قنوات التواصل المباشرة، عبر مطابقة الأسعار "حتى آخر قرش" باستخدام لوحة إعلانات عامة مشتركة.
الخلاصة التي يخرج بها الباحثون هي أن جعل كل وكيل ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً على حدة لا يضمن بالضرورة أن تصبح المجموعة ككل أكثر ذكاءً أو انسجاماً. فالبشر يعتمدون، لتنسيق عمل الملايين منهم، على منظومة من الثقة والسمعة والقواعد والحوافز والتحكيم والمؤسسات، في حين لا تزال وكلاء الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى تطوير نسختها الخاصة من هذه الآليات. ويشير تقرير أنثروبيك إلى أن الوكلاء "تدخل السوق من دون سمعة تخسرها، ولا محكمة تلجأ إليها، ولا زميل يتذكرها"، وهو ما يجعل بناء أطر تنظيمية مماثلة تحدياً محورياً لمرحلة انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي المقبلة.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...