تعمد التيارات السياسية إلى انتزاع شخصيات من سياقها التاريخي وتحويلها إلى رموز مقدسة (Totems)، مع طمس تعقيدات حياتها وما قد يثير الجدل حولها. ومن أبرز الأمثلة:
فرسينجيتوريكس: الذي استُحضر من غياهب التاريخ كرمزٍ للمقاومة الوطنية ضد الأجنبي، رغم أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أنه لم يوحد القبائل الغالية في كيان وطني كما تروج السردية السياسية. كلوفيس: الذي يُستدعى اليوم كركيزة "للسردية الوطنية" لدى تيارات اليمين المتطرف، مستغلين لحظة تحوله للمسيحية كرمز هوية، في حين أن الحدث في وقته لم يحظَ بتلك الضجة الأسطورية التي يُسبغها عليه السياسيون المعاصرون.يُستخدم التاريخ المشوه لتوفير التبرير الأخلاقي أو السياسي للحروب والسياسات:
شيطنة الخصوم: عبر استدعاء نماذج مثل "اتفاقية ميونخ" لتشويه المعارضين للحروب، وتشبيه أي خصم بهتلر لتسويغ خيار القوة العسكرية. تلميع الأنظمة: تحويل الانقلابات العسكرية الدموية (مثل عهود بينوشيه أو فرانكو) إلى ضرورة تاريخية لـ"إنقاذ الاقتصاد" أو "منع الفوضى"، مما يخدم أجندات نيوليبيرالية تبرر قمع الحريات باسم الاستقرار.استناداً إلى مفهوم المؤرخ مارك فيرو، تُمارس القوى السياسية ما يسمى بـ"صمت التاريخ"، عبر حذف فصولٍ كاملة من الوعي الجمعي:
تجاهل مسؤولية "تشرشل" في مجاعة البنغال التي راح ضحيتها الملايين. التعتيم الممنهج على المجازر الكبرى ضد الشيوعيين في إندونيسيا عام 1965، والتي تمت بمباركة غربية، من قواعد البيانات التاريخية الكبرى (مثل مشروع تاريخ العالم المدعوم من بيل غيتس) ضماناً لبقاء صورة الغرب نظيفة من أي تلطخٍ استعماري أو دموي.لا تتوقف صناعة الأسطورة عند الزمن، بل تمتد للمكان واللغة:
الخرائط: لا تزال خرائط "مسقط ميركاتور" تعزز شعوراً زائفاً بالسيادة والتفوق لدى الأمم البيضاء (الشمال العالمي) من خلال تضخيم أحجام أوروبا وأمريكا الشمالية على حساب إفريقيا. اللغة المفخخة: ابتكار مصطلحات مثل "اليسار الإسلامي" (Islamo-gauchisme) أو "الأحمر-البني" لدمج قوى سياسية متناقضة تاريخياً في قالبٍ واحد، بهدف شيطنتها وإقصائها من النقاش العام.في عصرنا الرقمي، تحولت التكنولوجيا إلى "حارس" لهذه الأساطير؛ حيث يُعاد تشكيل الصور الفوتوغرافية وتوظيف الذكاء الاصطناعي لخلق "واقعٍ بديل" يخدم الزعماء السياسيين. هذا التزييف البصري لا يهدف فقط إلى التغطية على التاريخ، بل إلى غسل سمعة الشخصيات عبر خلق صور مزيفة تظهر ارتباطاً وهمياً بين قادة سياسيين وأقليات عرقية.
ختاماً، إن الصراع حول التاريخ هو في جوهره صراعٌ على الحاضر. فالتاريخ حين يتحول إلى فريسة للتلاعب، فإنه يُفقد قدرته على تقديم الدروس، ويصبح مجرد أداة لإجبار المجتمع على قبول مسارٍ سياسي محدد تفرضه النخب الحاكمة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97722833/altarykh-k...