أثار تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية مصطفى بايتاس خلال الندوة الصحفية الأسبوعية تساؤلات حول ما إذا كانت وزارة العلاقات مع البرلمان قد توصلت بمبادرة تشريعية تتعلق بأحفاد اليهود ذوي الأصول المغربية، قبل أن تحيلها على مجلس النواب. ومع ذلك، يكشف التدقيق في مسار هذه المبادرة وفي الإطار القانوني المنظم للجنسية المغربية أن ما تم تقديمه بوصفه “قضية وطنية” لا يتجاوز في الواقع حدود مبادرة رمزية محدودة الأثر، سرعان ما تضخمت عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
الشرارة الأولى تعود إلى إيداع ما سُمي "اقتراح تشريعي"على بوابة المشاركة المواطِنة سنة 2024. ذلك كان بطلب توسيع استفادة أحفاد اليهود المغاربة المهاجرين من الجنسية المغربية. غير أن النص، المنشور منذ أكتوبر 2024، لم يحصد سوى عشرين توقيعاً. بينما يفرض القانون المنظم لآليات الديمقراطية التشاركية في المغرب عتبة لا تقل عن عشرين ألف مؤيد حتى تُحال أي مبادرة تشريعية مواطِنة إلى البرلمان. بذلك، بقيت هذه المبادرة في مستوى إجراء إلكتروني محدود لم يكتسب أي وجود فعلي داخل المؤسسة التشريعية. وهذا ما تؤكده نائبة عن حزب التقدم والاشتراكية وعضو لجنة العرائض، توصلها أو رئاسة المجلس بأي طلب يخص جنسية أحفاد اليهود المغاربة.
رغم هذا الطابع الهامشي، انتقلت المبادرة إلى واجهة النقاش العمومي بعد جواب مصطفى بايتاس. إذ تعاملت بعض المنابر الوطنية والدولية مع الأمر كما لو أن مشروع قانون متكامل قد أحيل على مجلس النواب بهدف منح الجنسية المغربية لأبناء وأحفاد اليهود الذين غادروا البلاد خلال عقود سابقة. في عدد من المواد الصحافية، جرى الإيحاء بوجود عراقيل خاصة أمام هؤلاء الأحفاد لاستعادة جنسية أسلافهم، أو بوجود تمييز في المعاملة مقارنة بباقي مكونات الجالية المغربية في الخارج. ما أضفى على الموضوع بعداً سياسياً وهوياتياً أوسع من حجمه القانوني الفعلي.
غير أن المعنيين من داخل الجماعة اليهودية في المغرب يقدمون رواية مختلفة تماماً. فجاكي كادوش، رئيس الجماعة اليهودية في مراكش والصويرة منذ أكثر من عقدين، ينقل عنه أنه يعتبر المسألة محسومة منذ سنوات طويلة، إذ يستطيع أبناء الجالية من أصول مغربية، أينما كانوا، الاستفادة من المقتضيات المعمول بها في مدونة الجنسية للحصول على وثائقهم المغربية. ويشير كادوش إلى أن مئات العائلات من اليهود ذوي الأصل المغربي، في إسرائيل ودول أخرى، تمكنت بالفعل من تسوية أوضاعها الإدارية دون صعوبات تذكر عبر المساطر العادية التي تعتمدها السلطات المغربية المختصة. من هذا المنطلق، يَرفض أن تُقدَّم المبادرة الإلكترونية كأنها مطلب صادر عن الجماعة اليهودية ذاتها، لكون أصحابها لم يستشيروا ممثلي هذه الجماعة ولا مؤسساتها.
الناشط الجمعوي سيمون سكيرة يردد الموقف ذاته. فهو يتابع عن كثب أوضاع أفراد الجالية اليهودية داخل المغرب وخارجه. فهو يشدد على أن النص القانوني المنظم للجنسية لا يميز بين مغاربة يهود ومغاربة مسلمين أو غيرهم من حيث نقل الجنسية إلى الأبناء المولودين خارج المملكة، ما دام المبدأ المؤسس هو انتساب الشخص إلى أب أو أم مغربيي الجنسية. وحسب ما نُقل عنه، فإن الحديث عن “فراغ قانوني” يخص أحفاد اليهود المغاربة يقوم على تصور نظري لا يجد ما يسنده في الممارسة اليومية للإدارات المعنية أو في تجارب الأسر التي سعت إلى استرجاع وثائقها الوطنية.
المحامي في هيأة الرباط فيصل عمرزوق قراءة أكثر قطعية من زاوية قانونية صرفة. إذ يوضح أن مدونة الجنسية المغربية تعتمد أساساً مبدأ النسب، بحيث تنتقل الجنسية تلقائياً من الأصول المغربية إلى الفروع، حتى في حال الولادة في الخارج، ما دام الارتباط القانوني بالدولة قائماً. ويرى أن سن قانون جديد بشأن أحفاد اليهود من أصول مغربية سيخلق ازدواجية غير مبررة داخل المنظومة التشريعية، في حين أن النص الحالي يُعتبر كافياً لمعالجة هذه الحالات مثلها مثل سواها داخل الجالية المقيمة في المهجر. كما ينقل عن محاوراته مع شخصيات ممثلة للطائفة اليهودية في المغرب تأكيدها أنها لم تتبنَّ رسمياً أي مطالبة بتعديل تشريعي خاص بهذه الفئة، وأن أبناءها لا يواجهون عراقيل استثنائية في تقييد مواليدهم أو تثبيت صلتهم القانونية بالمغرب.
خارج الجدل القانوني، يندرج في مسار طويل للعلاقة بين الدولة المغربية ومواطنيها اليهود داخل البلاد وخارجها. هذه العلاقة تستند إلى حضور تاريخي ضارب في القدم وإلى شعور متجذر بالانتماء لدى من حملوا معهم “المغربية” إلى إسرائيل وأوروبا والأمريكيتين. فقد ظل يهود المغرب، رغم موجات الهجرة المتتالية منذ منتصف القرن العشرين، مرتبطين وجدانياً بالبلد الذي نشأ فيه أسلافهم. بينما حرصت السلطات على إبقاء قنوات تواصل دينية وثقافية قائمة. وهذا ما تجلى في مبادرات لترميم المعالم اليهودية وفتحها أمام الزوار، وفي خطاب رسمي يُدرج “الرّافد العبري” ضمن المكونات الأساسية للهوية الوطنية.
إلى جانب البعد التاريخي، يحمل توقيت الجدل دلالات سياسية داخلية. فالمغرب مقبل على انتخابات تشريعية مقررة في 23 سبتمبر المقبل، وهو موعد يفتح المجال عادة أمام بروز ملفات ذات حمولة رمزية وهوياتية تُستعمل في النقاش العمومي. في هذا المناخ، وجد موضوع جنسية أحفاد اليهود المغاربة مكاناً في العناوين الإخبارية وفي النقاشات الافتراضية، خاصة بعد توسع مجال التعبير عبر المنصات الرقمية حيث تكفي مبادرة محدودة أو تصريح مقتضب لتوليد تراكم متسارع من التعليقات، والتأويلات القانونية، والقراءات السياسية. بذلك يصبح “الحدث” أقل ارتباطاً بوزنه القانوني الحقيقي، وأكثر صلة بقدرته على تجسيد قضايا الهوية والانتماء في لحظة سياسية مشحونة.
هذه القضية لا تكشف عن خلل في وضعية المغاربة اليهود من حيث الجنسية بقدر ما تسلط الانتباه على دينامية جديدة في إنتاج الموضوعات العامة داخل الفضاء الرقمي والإعلامي في المغرب. فمبادرة إلكترونية لم تبلغ الحد الأدنى من التوقيعات كُتب لها أن تتصدر البيانات الحكومية والتحليلات السياسية، في حين أن المعنيين بها من أفراد الجماعة اليهودية وخبراء القانون يؤكدون أن الإطار التشريعي القائم يسمح، من حيث المبدأ والممارسة، بنقل الجنسية إلى الأحفاد سواء كانوا في إسرائيل أو في بلدان أخرى من الشتات. لذلك يظهر أن الجدل الذي احتل مساحة واسعة خلال الأيام الماضية يرتبط أكثر بآليات صناعة الموضوع السياسي وبحساسية القضايا الهوياتية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وليس بإشكال فعلي يمس صلة أحفاد اليهود المغاربة بدولتهم الأم.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96460046/jadal-jinsi...