في عام 1998، أجرى مارتن سكورسيزي حوارًا عند خروج فيلمه «كوندن». هذا الحوار يرسم صورة مخرج يربط مساره الروحي بمساره السينمائي، ويعيد النظر في علاقته الأولى بالكنيسة الكاثوليكية عبر اكتشافه المتأخر للبوذية والتبت. في هذا الحديث، يتبدى سكورسيزي بوصفه سينمائيا يراجع تاريخه الشخصي المهني والديني، ويستعيد طفولته في نيويورك، وانجذابه المبكر للصورة، وافتتانه بالجبال والطقوس والوجوه القادمة من هضبة بعيدة. قبل أن تتحول هذه الصور المتفرقة إلى فيلم كامل عن حياة الدالاي لاما الرابع عشر، يغطي المدة بين 1937 و1959، ويركز على تشكل وعي طفل يتدرج نحو موقع الزعامة الروحية والسياسية.
يستعيد سكورسيزي ذكريات الصالة المظلمة في نيويورك خلال الأربعينيات والخمسينيات. حين اكتشف أفلاما تجارية من série B عن «الخطر الشيوعي» في التبت، استعملت فيها صور وثائقية التقطها المخرج أندرو مارتون في الثلاثينيات. فبقي في ذاكرته مزيج من جبال بعيدة، وطقوس تبتية، وسوداء وبيضاء حادة، رغم هشاشة بناء هذه الأفلام نفسها. يربط المخرج بين هذا الانبهار البصري المبكر وبين انخراطه، في الفترة نفسها تقريبا، في عالم الكنيسة الكاثوليكية. بحيث يغدو الفضاء الكنسي وقاعة السينما ملاذين لطفل يعاني من الربو، ويبحث عن نظام رمزي يفسر العالم المحيط به.
مع نضجه الفني، يصف سكورسيزي معظم أفلامه بوصفها «بحثا روحيا» بأشكال مختلفة. من «Mean Streets» إلى «Taxi Driver» وصولا إلى «Raging Bull»، حيث تتجاور الخطيئة والعنف والتوبة ضمن عالم ذكوري مهدد دوما بالانفجار. غير أن «La Dernière Tentation du Christ» يمثل، في نظره، ذروة هذه المسيرة المرتبطة بتأويل شخصي لشخصية المسيح، ونقطة تعثر في علاقته بالمؤسسة الكنسية. إذ يقر بأن الوجه الدنيوي لهذه المؤسسة صار عائقا أمام استمراره في التعبير عن أسئلته الوجودية عبر الرموز المسيحية التقليدية.
يربط المخرج بين هذا المأزق الروحي وبين أزمة شخصية حادة في أواخر السبعينيات. في ذلك الوقت، تراكمت خيباته المهنية بعد إخفاق «New York, New York» تجاريا، ولجأ إلى استهلاك المخدرات. قبل أن يتعرض لنزيف داخلي خطير سنة 1978، كاد يودي بحياته. يحكي كيف وجد نفسه في المستشفى محاطا بشعور بالفشل، عاجزا عن التقاط المستقبل. إلى أن جاء روبرت دي نيرو ليعيد فتح ملف «Raging Bull». فيستعيد المخرج، عبر هذا المشروع، نوعا من الخلاص الشخصي. ويكتشف أن أخطر ما يمكن للإنسان أن يرتكبه هو تدمير نفسه، وأن عليه وضع حدود صارمة لاندفاعه.
في هذا السياق، يعلن سكورسيزي رغبته في «التخلص من الدين من أجل بلوغ الروحانية»، في صياغة تلخص انتقاله من الانتماء المؤسسي إلى بحث فردي عن معنى أوسع للتجربة الإنسانية. منذ السبعينيات، بدأ يتردد على المعابد البوذية في «تشايناتاون» بنيويورك، يصور الطقوس، ويراقب الحركات، قبل أن ينصرف لاحقاً إلى قراءة نصوص عن البوذية في أواخر الثمانينيات، في زمن تزايد شعوره بعدم الرضا عن الكاثوليكية، ووعيه بأن عالمه السينمائي الغارق في العنف يحتاج إلى أفق آخر.
يصف سكورسيزي البوذية كما عرفها من خلال هذه التجارب بوصفها مسارا يضع اللاتعنيف في مركزه. ويرى فيها نقيضا لسيرته السينمائية التي ظلت مشدودة إلى الانفجار والغضب والدم. ويقر بأن بلوغه 55 يفرض عليه البحث عن لغة جديدة للصورة، وعن علاقة مختلفة بالجسد والعالم. هكذا يتعامل مع «كوندن» باعتباره انقطاعا نسبيا عن مناخ أفلامه السابقة، ومحاولة للقبض على الطمأنينة في صورة طفل يواجه قوة إمبراطورية جبارة، لا عبر مشاهد المعارك، بل عبر حركات الجسد ونظام الطقوس وأدوات الحياة اليومية في بلاط لسا.
على المستوى الجمالي، يقدّم سكورسيزي «كوندن» كعمل يقوم على تبسيط متعمد في وجهة النظر. حيث يبني السرد من منظور الطفل، ويختصر الشرح السياسي، مكتفيا بإغراق المتفرج في الفضاء البصري للتبت، من المناظر الجبلية إلى الأقمشة والألوان والإضاءة الداخلية للمعابد. يتحدث عن «اقتصاد الصورة» بوصفه معادلا لـ«اقتصاد الدين»، فيسعى إلى تأليف لقطات قليلة الحركة. يتولى فيها الضوء، وحضور الجسد في الفراغ، والموسيقى التي كتبها فيليب غلاس، نقل الإحساس بالروحانية، من دون إشارة مباشرة حول العقيدة أو التاريخ.
يولي المخرج أهمية خاصة للتفاصيل الصغيرة في تصوير دخول الجيش الصيني إلى التبت ولقاء الدالاي لاما بماو تسي تونغ. فيختار عناصر مثل نظارات الجنود أو بريق حذاء الزعيم الصيني لإيصال شعور بالتهديد، بدلاً من الاعتماد على مشاهد حربية واسعة. يوضح أن هذه الخيارات جاءت لتفادي الانزلاق نحو صورة نمطية عن الشرق أو نحو الميلودراما السياسية، ولترسيخ صورة صراع هادئ بين عالمين: عالم طقوسي يسعى إلى التحول، وسلطة جديدة تتعامل مع الدين باعتباره «سمّا»، ما يدفع الدالاي لاما إلى إعادة تعريف دوره وحدود سلطة تعاليمه.
في المقابل، لا يخفي سكورسيزي خيبة أمله بسبب الطريقة التي عومل بها الفيلم من طرف شركة ديزني الموزعة. إذ بقيت نسخ «كوندن» محدودة العروض في الولايات المتحدة، وانسحب الفيلم سريعا من دور العرض، متأثرا بحسابات الشركة تجاه السلطات الصينية. تذكر تقارير لاحقة أن هذا الإنتاج، الذي بلغت ميزانيته نحو 28 إلى 30 مليون دولار، واجه ضغطا سياسيا صينيا. وأن ديزني سعت منذ نهاية التسعينيات إلى طمأنة بكين، ما ساهم في إبقاء الفيلم خارج المنصات الكبرى حتى السنوات الأخيرة، رغم ترشيحه لعدة جوائز فنية.
مع مرور الزمن، يعترف سكورسيزي بأن تجربة «كوندن» لم تغيّر مساره الإبداعي فحسب، بل أثرت أيضا في المشاركين التبتيين في الفيلم، من ممثلين ومستشارين وحرفيين، الذين تعاملوا مع التصوير كفعل له بعد روحي خاص. في نظره، لم يعد الأمر مجرد سيرة ذاتية لشخصية دينية بارزة، بل أيضا تمرينا على النظر إلى السينما نفسها كحيز للتأمل، يتيح التقاط لحظة تلاقي بين شاعرية الصورة وهمّ تاريخي وسياسي ما زال حاضرا في مصير التبت والدالاي لاما في المنفى.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95382936/albhth-alda...


