يعرض مقال نشر على صفحات يومية لوموند مراجعة لكتابين فرنسيين يقتربان من ظاهرة الإرهاب الجهادي من داخل «الغرف المغلقة» للأجهزة الأمنية والقضائية، بعيدا عن السرديات البطولية المعتادة في مذكرات رجال الاستخبارات. الكتاب الأول «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» لأبي جعفر، وهو اسم مستعار لضابط استخبارات سابق، يرسم لوحة واسعة لتاريخ الجهاد العالمي ومسارات تطوره الأيديولوجي والتنظيمي. أما الكتاب الثاني «مكافحة الإرهاب: مطاردة الجهاديين» فهو ثمرة حوار طويل بين الباحث جيل كيبيل والقاضي المتخصص جان فرانسوا ريكار، يهبط من مستوى التحليل العام إلى تفاصيل الملفات القضائية والهجمات التي شهدتها فرنسا خلال العقود الأخيرة.
يُنقِض أبو جعفر الرواية المبسطة التي تجعل من أفغانستان الثمانينيات نقطة الانطلاق الوحيدة للجهادية المعاصرة، ويعيد جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي في مصر وسوريا والسعودية والجزائر، حيث أدت قبضة أنظمة سلطوية «اجتماعية» إلى راديكالية داخل بعض أوساط الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى. في هذه القراءة، لا يولد الجهاد من فراغ ولا من «مؤامرة مخابراتية» غربية كما تذهب بعض الأطروحات اليسارية، بل من تزاوج بين شعور عميق بالاضطهاد وبين موارد فكرية دينية تُستدعى لتبرير العنف اللامحدود. هكذا يتشكل خطاب ضحية يتغذى من حنين إلى «عصر ذهبي» مفترض، ومن وعد باستعادة الأراضي والنفوذ عبر حرب مقدسة لا تعترف بقواعد الحرب ولا بقيم حقوق الإنسان.
الكتّاب يقدمان الجهادية كظاهرة تاريخية متدرجة الأجيال: من التجارب المحلية الفاشلة في مصر والجزائر في التسعينيات، إلى تَحوّل جزء من كوادرها نحو «الجهاد العالمي» المرتبط بأسامة بن لادن، وتسرّب آخرين إلى أوروبا، وخاصة فرنسا، قاعدة خلفية تحولت تدريجيا إلى ساحة عمليات. في هذا السياق يأتي عمل القاضي ريكار، الذي يفتح ملفات تفصيلية لهجمات 1995 في باريس، كاشفا شبكة معقدة تمتزج فيها الجريمة الصغيرة بالاستراتيجيات العابرة للحدود، والعلاقات العائلية بالبيعات التنظيمية، ليغدو «الجهاد» قبل كل شيء بنية شبكية مرنة لا تُفهَم إلا عبر خيوط مترابطة تمتد من الأحياء الشعبية الأوروبية إلى جبال أفغانستان وصحارى الساحل.
مع هجمات 11 سبتمبر وبروز «الجهاد العراقي» بعد 2003، تنتقل الظاهرة إلى مستوى جديد من «التصنيع»: التفجير الانتحاري يتحول إلى سلاح منظّم على جبهات القتال وأداة لشلّ الدول والمجتمعات، والصراع السني–الشيعي الإقليمي يغذي ديناميات تعبئة جماهيرية مستمرة. ثم يأتي «الجهاد السوري» وتنظيم «الدولة الإسلامية» ليبلغ المنحنى ذروته بإعلان كيان سياسي يسعى إلى إدارة أراضٍ وسكان، مستقطبا عشرات آلاف المتطوعين من العالم بأسره، قبل أن ينكفئ عسكريا ويترك وراءه ما هو أخطر: ثقافة جهادية متاحة على منصات مفتوحة يستطيع أي فرد أن يتبناها منفردا. هنا يتحدث كيبيل عن «جهادية الأجواء» حيث لا حاجة إلى تنظيم هرمي أو قيادة مركزية كي يقع الهجوم؛ يكفي مزج رموز متداولة وشعور بالمهانة ورغبة في الانتقام.
ينتهي المقال إلى أن المواجهة مع هذه الظاهرة لا يمكن أن تُختزل في أدوات الشرطة والجيش، لأنها في جوهرها أيديولوجيا من «قرن الطغيان» العشرين استطاعت أن تتكيف مع بيئة القرن الحادي والعشرين الرقمية والمفتتة. الصراع معها طويل الأمد ومتعدد الجبهات: من الساحل إلى شبه القارة الهندية، ومن الضواحي الأوروبية إلى الفضاء الافتراضي، تتلاقح التكتيكات وتتحسن قدرات الفاعلين غير الدولتيين بسرعة تفوق أحيانا سرعة البيروقراطيات الأمنية. لذلك يشدد الكاتبان على أن القوة الصلبة وحدها لا تكفي، وأن المطلوب هو مزيج من الصبر والمرونة والجرأة، والأهم ثقة المجتمعات الديمقراطية في منظومتها القضائية وقيم دولة القانون، حتى وهي تتعرض لضربات موجعة لا مفرّ منها في أي حرب طويلة، تماما كما لم تنته آثار الحروب الصليبية إلا بعد قرون طويلة، وهو الأفق الزمني الذي يتوقعه أبو جعفر لمسار الجهادية المعاصرة.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93627872/alarhab-a...


