في مدينة قرطبة، لا تزال بعض العائلات تحافظ على طقس غريب لتبريك مواليدها الجدد: تحتضن نساء البيت الرضيع خلف الباب الأمامي، بعيدا عن الأعين، ويقصصن أظافره الأولى وهن يدندن ألحان الفلامنكو الهادئة. تُحمل هذه الأظافر بعد ذلك في صندوق خشبي صغير إلى الأقارب، الذين يملؤونه بالنقود تبريكا للمولود. قد يبدو الأمر مجرد طرافة محلية عابرة، لكن أنطونيو مانويل، الشاعر والكاتب وأستاذ القانون البالغ من العمر 56 عاما، الذي كرّس حياته لدراسة الأثر غير المروي الذي خلّفته قرون من الحكم الإسلامي في مسقط رأسه، يرى في هذه الطقوس ما هو أعمق من ذلك بكثير. تمتلئ محاضراته دائما بحشود من الأندلسيين من مختلف الأعمار والخلفيات، الفضوليين إزاء تاريخهم الخاص. وبحسبه، فإن عادات أندلسية لا حصر لها هي في الواقع ميراث من "الأندلس"، وهو الاسم الذي أُطلق على ثمانية قرون من الحكم الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية، نجحت في مقاومة خمسة قرون من محاولات المحو.
تلفت الصحفية الفرنسية الجزائرية شهرزاد دواح، التي أجرت هذا التحقيق ونشرته مجلة نيولاينز الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن الطقس ذكّرها فورا بعادة معروفة في منطقتها بوسط الجزائر، حيث يُقصّ شعر المولود بدل أظافره، ضمن مراسم "العقيقة" المعروفة في العالم الإسلامي، وغالبا ما تصحبها ذبيحة. لا يرى مانويل في هذا التشابه مجرد صدفة، بل مثالا على "نجاة" ثقافية، وصدى للأندلس. فقص الأظافر، بخلاف الشعر، لا يثير أي شبهة، ما جعله وسيلة أكثر تكتما نجت عبر القرون بفضل تحويرات صغيرة أفلتت من رقابة صارمة في بلد طويل الباع في قمع كل ما يخرج عن المعايير القشتالية المسيحية. ويجد مانويل استمرارية مماثلة في الموسيقى: يفترض أن ألحان الفلامنكو حلّت محل الصلوات، وأن مقطع "لاريليلي" المتكرر في هذه الألحان، رغم الجدل الكبير حوله، ليس مجرد نغمة بلا معنى، بل هو الصدى الباقي لعبارة "لا إله إلا الله" التي طواها النسيان. وبينما تُترك أبواب البيوت مفتوحة في الجزائر أثناء هذه الاحتفالات ليشارك الجيران فيها، تبقى أبواب البيوت القرطبية مغلقة إلى اليوم، وكأنها لا تزال تحمي طقسا سريا من أشباح محاكم التفتيش.
تندرج هذه القراءة الشخصية ضمن حركة أوسع تكسب زخما في الأندلس. فقد أحيا اليمين المتطرف الإسباني أسطورة "الاسترداد" (Reconquista)، وهو مصطلح مثير للجدل يصف الحملات العسكرية المسيحية التي شنّتها ممالك الشمال ضد الجنوب الخاضع للحكم الإسلامي. في المقابل، برز رفض متنام لهذا الطرح الذي يقدّم إسبانيا وكأنها مقطوعة الصلة بماضيها الأندلسي، ولما يرافقه من سياسات معادية للأجانب. ويرى كتّاب وناشطون ومنظمات غير حكومية وأكاديميون أن الهوية الأندلسية، وبالتبعية الإسبانية، لم تبدأ عام 1492 مع سقوط غرناطة ونهاية الأندلس، بل هي جزء من امتداد متواصل لم ينقطع. وفي هذا التصور، تظل الأندلس، بصفتها الوريث الشرعي لحضارة "الأندلس" التاريخية، حاضرة في الثقافة اليومية، لا مجرد فصل مطوي من الماضي.
يروي أنطونيو مانويل أن كل شيء بدأ برغبته في معرفة هوية نفسه. يتذكر أنه في طفولته، كانت جدته روزاريو تُعدّ في عيد الميلاد دفعة من الحلويات الخاصة وتضعها خارج الباب المفتوح، فإذا حاول أن يسرق واحدة منها كانت تربّت على يده قائلة: "لا، لا تأكل من هذه، عليك أن تأكل ما صنعته لأهل البيت." وقد ورثت جدته هذه العادة عن أمها التي ورثتها بدورها عمّن قبلها. وبعد سنوات، لاحظ مانويل فرقا جوهريا بين النوعين: الحلويات المخصصة لأهل البيت كانت تُصنع بزيت الزيتون، أما تلك الموضوعة خارج الباب فكانت تُعدّ بشحم الخنزير. لم تكن جدته تعرف لماذا يجب أن يبقى الباب مفتوحا، ولا لماذا يُصنع نوع بزيت الزيتون والآخر بشحم الخنزير، لكنها كانت تفعل ذلك وكأنها تديم ذاكرة لا واعية. وحين درس مانويل تاريخ الأندلس، بدأت هذه الممارسة تكتسب معنى: فالإعلان علنا عن تناول لحم الخنزير مع الاكتفاء ببديل عنه في السر هو سمة معروفة لدى اليهود والمسلمين الذين اعتنقوا المسيحية قسرا وحافظوا سرا على معتقداتهم الأصلية، وهو ما يفسر أيضا كثيرا من العادات الغذائية في المنطقة.
ورغم أن أعمال مانويل تجذب جمهورا واسعا، فإنها تتعرض أيضا لانتقادات حادة، أغلبها من جماعات يمينية ترفض جملة وتفصيلا فكرة أن لإسبانيا صلة فعلية بالأندلس. ويستشهد بعض هؤلاء بدراسة أنجزتها جامعة غرناطة عام 2019 خلصت إلى أن الأندلس لم تترك أثرا جينيا يُذكر في المنطقة. غير أن مانويل يرى أن هذه الحجج، من دون قصد، تدعم موقفه: فالأندلس، بحسبه، كانت في جوهرها مشروعا إيبيريا محليا، إذ كان أغلب سكانها من أبناء شبه الجزيرة أنفسهم، فيما ظل الوافدون من شمال إفريقيا أو العالم العربي محصورين في النخب الحاكمة. ويرفض مانويل هذه الانتقادات معتبرا أنها صادرة عن أشخاص لا يرتاحون لفكرة هوية معقدة تتحدى الأسطورة الوطنية التي تربّوا عليها، متسائلا: "لماذا يقبل البعض بسهولة أن كلمتي azúcar (السكر) وalmohada (الوسادة) من أصل عربي، أو أن هناك مسجدا قديما هنا أو هناك، لكنهم يرفضون أي شيء أبعد من ذلك؟ لأن أي إقرار إضافي قد يهدم القصة التي رووها لأنفسهم عن هويتهم."
"منذ القرن التاسع عشر، ظلت الأندلس في صميم النقاش حول معنى أن يكون المرء إسبانيا، وغالبا ما استُخدمت كسردية موازنة لنموذج الاسترداد الذي يقدّم الهوية الإسبانية باعتبارها كتلة واحدة متجانسة" — إريك كالدروود، أستاذ الأدب المقارن بجامعة إلينوي.
هذه الجدالات ليست جديدة، ويتعامل معها الأكاديميون بحذر أكبر. يوضح كالدروود، في كتابه "على الأرض أو في القصائد"، أن إحياء الهوية "الأندلوسية" الراهن ذو وجهين: ففي إسبانيا ما بعد فرانكو، شكّلت الأندلس سردية مضادة لمشروع بناء وطني روّج لصورة أحادية اللغة والعرق عن إسبانيا. وفي السنوات الأخيرة، جاء هذا الإحياء أيضا كرد فعل على أسئلة معلّقة حول الهوية الإسبانية، وعلى نقاشات أوسع حول الهوية الأوروبية وصعود اليمين المتطرف عالميا. غير أن اعتماد هذه الحركة على القصص العائلية يطرح إشكالات منهجية للباحثين، إذ إن حميمية هذه الروايات هي ما يمنحها قوتها، وهي في الوقت نفسه ما يعقّد استخدامها كدليل تاريخي موثوق. فقد ظل المؤرخون الإسبان مترددين في دمج التاريخ الشفوي ضمن منهجيتهم، ولم تُدرس بعد معظم هذه الروايات دراسة رسمية. وحتى الباحثون المتعاطفون مع فكرة مجتمع متعدد الثقافات يحذّرون من أن الذاكرة هشّة ومرتبطة بسياقها، وأنه يكاد يكون من المستحيل تتبع هذه الحكايات وربطها يقينا بالأندلس التاريخية.
صعوبة تتبع هذه الممارسات ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات تاريخية متعمدة بدأت مع سقوط غرناطة. فبعد سقوط آخر معاقل الأندلس عام 1492، رسم الملوك الجدد لمملكتهم صورة موحّدة بدين واحد هو الكاثوليكية ولغة واحدة هي القشتالية. وتلا ذلك ملاحقة كل من ومن كان خارج هذا الإطار: طُرد اليهود فورا، وحُظر الإسلام رسميا اعتبارا من عام 1502، وخُيّر المسلمون بين اعتناق المسيحية أو الرحيل. وقُمعت الانتفاضات بعنف، وأبرزها ثورة جبال الألبوخارّاس قرب غرناطة، وبيع الناجون منها عبيدا. أما من بقوا من المسلمين السابقين في أراضيهم، ويُعرفون بـ"الموريسكيين"، فقد نُظر إليهم بريبة اعتُبروا معها أعداء محتملين وعوملوا على هذا الأساس. ففي أيام الجمعة، لصلاة الجمعة، والسبت، للسبت اليهودي، كان على الموريسكيين والمتحولين من اليهود ترك أبوابهم مفتوحة لإثبات أنهم لا يصلّون. لاحقا، حُظرت اللغة العربية والحنّاء والأسماء المغربية، ثم موسيقاهم ورقصاتهم. وظلت محاكم التفتيش تراقب الموريسكيين بحثا عن أي أثر لهويتهم القديمة، إلى أن أمر الملك فيليب الثالث عام 1609 بطرد جميع الموريسكيين من المملكة، فاقتُلع نحو 350 ألف رجل وامرأة وطفل من ديارهم وأُجبروا على المنفى.
لكن هذه الإجراءات القاسية لم تنجح في محو حضور الموريسكيين كليا، إذ واصلت محاكم التفتيش إصدار أحكام محلية بحق من اشتُبه في تهوّدهم أو تمسكهم السري بالإسلام حتى القرن الثامن عشر. وفي بعض القرى النائية، يبدو أن الثقافة الموريسكية بقيت حية حتى القرن العشرين، ومن أغرب الأمثلة على ذلك قرية ريوبار المتوارية بين تلال جبال سييرا ديل سيغورا، شمال حدود الأندلس مباشرة. يعيش في ريوبار خواكين مونيوث غارثيا، المتقاعد حديثا، الذي يدير بيتا للضيافة في منزل حماه. وكان خوان لوبيث غونثاليث، المتوفى عام 1986، شخصية بارزة في القرية، آخر جيله في ممارسة طقوس غريبة توارثها عن أسلافه القادمين من غرناطة في ماض بعيد لم يعد بإمكانه تحديده بدقة. كان غونثاليث يجثو خارج المنزل مع شيوخ آخرين، يضع جبهته على الأرض مرارا، بينما كانت ابنته تسمعه هو وعمها يتلوان بصوت خافت من كتاب قديم كان يخبّئه في عارضة خشبية، وتتكرر فيه كلمة "الله". كان أيضا يسمي الشمس "محمّة"، ويتخلل حديثه اليومي بعبارات بلغة لا يفهمها أحد، مع تحذير دائم لابنته بعدم ترديدها خارج البيت. وكان أيضا من يتولى تزويج الأزواج في القرية، إذ كان يُجلس العروسين ثم ينهضهما بالقدم اليمنى ضمانا للبركة. وقد اكتشفت ابنة غونثاليث لاحقا أن زميلة مغربية لها تستخدم العبارات نفسها التي كان والدها يرددها.
ويبدو أن هذه الحكايات عبرت المحيط الأطلسي أيضا مع الموريسكيين، فقد جمعت الكاتبة مدينة تينور وايتمان، التي تعيش في جبال الألبوخارّاس معقل الموريسكيين المتمردين قرب غرناطة، روايات مشابهة في كتابها "المسلم الخفي"، ووجدت أمثلة عنها في أمريكا اللاتينية، وهو أمر غير مستغرب بما أن الموريسكيين أُرسلوا إلى القارة كعبيد على متن السفن، وبلغ بعضهم مراتب الثراء والنفوذ كتجار، وإن لم يحمهم ذلك من بطش محاكم التفتيش التي أحرقت كثيرين منهم بتهمة "التهوّد"، في إعدامات كانت غالبا ذات دوافع سياسية أكثر منها دينية. وتصف وايتمان كيف شكّل الموريسكيون جيوبا ثقافية مولّدة فريدة؛ ففي الأرجنتين مثلا، كانوا معفيين من قوانين "نقاء الدم" التي كانت تمنع المسيحيين القدامى من الزواج بنساء من السكان الأصليين، ما ترك أثرا واضحا في الثقافة الغذائية المحلية وفي الحكايات العائلية أيضا، تماما كما هو الحال في الأندلس. وتروي وايتمان قصة سيدة شيلية بدأت تتعلم عن العربية والإسلام استعدادا لوظيفة في دبي، فلاحظت أن بعض الأمور كانت مألوفة لها فعلا: كانت جدتها لأمها تلزمها بغسل يديها وقدميها صباحا قبل الأكل وقبل النوم، وكانت تقول قبل الأكل عبارة "نومبرادو سيا ديوس" أي "باسم الله المذكور"، وهي صيغة غير شائعة عند المسيحيين وتبدو أقرب إلى نسخة إسبانية من "بسم الله". واكتشفت تلك السيدة لاحقا أن جدتها كانت تحمل اسما موريسكيا.
وفي إسبانيا نفسها، بدأت مواقع محلية تفسح المجال أمام هذا التاريخ الأليم. ففي هورناتشوس بمنطقة إكستريمادورا، يزداد إقبال الزوار على موقع "ديسباوتيثاديرو" (مكان "نزع التعميد")، وهو ممر ضيق منحوت في الجبل كان الموريسكيون يغتسلون فيه في نبع معزول ليتخلصوا من أثر معمودية فرضت عليهم قسرا، إذ تمتلئ الممرات الضيقة بمياه الأمطار وتحمي جدرانه السميكة سرية الطقس. ولا يعود بريق الموقع إلى مشهده الخلاب وحده، بل أيضا إلى قصة موريسكيي المنطقة، الذين فروا بعد طردهم إلى المغرب وأسسوا "جمهورية سلا"، ليصبحوا، في مفارقة قلّما يجود بها التاريخ، قراصنة مشهورين أرهبوا السفن الإسبانية المحمّلة بثروات أمريكا الجنوبية.
وإذا كانت ذكرى الأندلس حاضرة على مستوى العائلة أو القرية، فإن الذاكرة الرسمية والسرديات العامة كانت أقل سخاء بكثير في الاعتراف بها. ففي الذاكرة الرسمية، تحظى الآثار الكبرى التي خلّفتها الأندلس بالتقدير، بعدما كانت في البداية تُصان بوصفها غنائم انتصار على حضارة عريقة جرى إخضاعها. واليوم يشكّل قصر الحمراء في غرناطة، بحدائقه الأخّاذة، والمسجد الجامع في قرطبة، ببحر أقواسه، مصدر فخر ودخل سياحي كبير بملايين الزوار. لكن هناك تحفظا واضحا إزاء تصور أن الأندلس تركت أكثر من مجرد أحجار. ففي الكتب المدرسية عبر البلاد، لا تتجاوز الأندلس بضع فقرات، ولا يخصَّص لطرد الموريسكيين سوى سطر واحد. وبالنسبة إلى الإسباني العادي، تبقى الأندلس شيئا غريبا، احتلالا طويلا انتهى عام 1492 برحيل "الغزاة" وأحفادهم عن شبه الجزيرة. صحيح أن بعض العناصر تُقبل بيسر، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن نحو 8 بالمئة من مفردات القاموس الإسباني أصلها عربي، ومنها تعابير احتفظت بمعناها الأصلي بطريقة طريفة: ففي الأندلس تُستخدم كلمة "كافري" المشتقة من "كافر" للدلالة على شخص فظّ الطباع، وكلمة "ميندوندي" المشتقة من "من دون دين" للإشارة إلى شخص عديم الشأن. كما تُقبل من دون جدل كبير المساهمات في فنون الطهي، من أغلب وصفات الحلويات إلى طرق التقديم، باعتبارها إرثا أندلسيا، فطبق "كوثيدو" الشهير، وهو يخنة أساسية في المائدة الإسبانية، هو في جوهره طبق يهودي سفاردي أُضيف إليه لحم الخنزير لاحقا.
لكن الجدل يظل قائما بشأن أصل تقاليد شعبية تُعد جوهرية في الهوية الأندلسية. فقد ظل علماء الأنثروبولوجيا يعتقدون لسنوات أن أصل الفلامنكو هولندي، رغم أن السلالم الموسيقية التي يستخدمها مطابقة لسلالم الموسيقى العربية. كذلك يُنسب الحماس والبهاء اللذان تتسم بهما تديّن الأندلس، مثل مواكب "أسبوع الآلام" المهيبة قبيل عيد الفصح، إلى مجرد "مزاج جنوبي" حارّ، في حين أنهما في الواقع نتاج حركة الإصلاح المضاد الكاثوليكي وجهود الكنيسة لترسيخ موقعها لدى سكان اعتنقوا المسيحية بالإكراه في غالبيتهم.
وقد شكّلت استعادة الأندلس، طويلا، موقفا سياسيا مناهضا للفاشية. فقد كان بلاس إنفانتي، أب القومية الأندلسية، وفيديريكو غارثيا لوركا، أحد أهم شعراء إسبانيا، من أشد المدافعين عن الإرث الحي للأندلس، واغتيل الاثنان على يد قوات فرانكو في الأسبوع نفسه. غير أن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو، إذ يشير كالدروود إلى أن فرانكو نفسه انخرط في تواصل نشط مع العالم العربي وظّف فيه إرث الأندلس توظيفا مكثفا. فلإظهار أن إسبانيا، ونظامه بالذات، حليف تاريخي للعالمين المسلم والعربي، طوّر فرانكو مجموعة سياسات نربطها عادة باستحضار احتفالي للأندلس، إذ رعى حج المسلمين المغاربة إلى مكة في ثلاثينيات القرن الماضي، ودعا شخصيات عربية وإسلامية بارزة إلى إسبانيا في جولات موجّهة شملت الصلاة في مسجد قرطبة. ويرى كالدروود أن استحضار الأندلس اليوم للربط بين ضفتي المتوسط، رغم اعتباره موقفا تقدميا يقاوم صعود اليمين المتطرف، له أيضا تاريخ في خدمة أغراض استعمارية، إذ كان مثقفو نظام فرانكو حريصين على الترويج لفكرة أن المغرب بلد أندلسي، وبالتالي فإن الاستعمار الإسباني له لم يكن استعمارا بقدر ما كان احتفاء بإرث أندلسي مشترك.
تظل استعادة الأندلس، إذن، مسعى شائكا بطبيعته وسيبقى كذلك. فقد كانت الأندلس ملهمة لشعراء من محمود درويش إلى نزار قباني، وظلت محورية في الهوية المغربية والمشروع الوطني السوري، وكثيرا ما تُستحضر بأشكال تثير حفيظة المتخصصين في التاريخ الوسيط. ويدعونا كالدروود إلى فهم ما تعنيه الأندلس لمن يستحضرها في كل مرة: فحين يتحدث أحدهم عن الأندلس، عليك أن تصغي إليه جيدا، لأنه في الحقيقة يتحدث عن نفسه. وقد نقلت مجلة Courrier International الفرنسية بدورها هذا التحقيق إلى القراء الفرنكوفونيين، في مؤشر على اتساع دائرة الاهتمام بهذا النقاش الهوياتي المتجدد حول ماضي إسبانيا الأندلسي.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98161228/a...