☰

الأديان ترسم خرائط جيوسياسية متغيرة


الخميس 1 أكتوبر 2026 à 10:05 |



تقدم دراسة منشورة في مجلة «جيوستراتيجيك» قراءة للجغرافيا الدينية العالمية من زاوية ارتباطها بالتحولات الجيوسياسية، انطلاقا من فكرة أن توزيع الانتماءات الدينية لا يفسره عامل واحد، بل يتكون عبر تراكمات تاريخية وحركات سكانية وصراعات وسياسات عمومية وتبدلات في مستوى التدين. وتلفت الدراسة إلى محدودية الخرائط الدينية في تمثيل واقع معقد، بسبب تداخل الجماعات الدينية داخل عدد كبير من البلدان وصعوبة قياس الانتماء ودرجة الممارسة بدقة.



وتستند المعطيات المعروضة إلى تقديرات مركز بيو للأبحاث لسنة 2020، التي تقسم سكان العالم إلى المسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية واليهودية، فضلا عن ديانات أخرى وفئة غير المنتمين دينيا. ووفقا لهذه التقديرات، يبقى المسيحيون المجموعة الدينية الأكبر عالميا، متقدمين بنحو ثلاث نقاط مئوية على المسلمين، وبفارق 4,6 نقاط على غير المنتمين دينيا. ويشكل الهندوس قرابة 15 في المئة من سكان العالم، فيما لا تتجاوز حصة البوذيين 5 في المئة، وتبقى نسبة اليهود دون واحد في المئة.

ويقترح الكاتب تصنيفا من ست فئات لفهم الأوضاع الدينية داخل الدول. تشمل الفئة الأولى الدول أحادية الانتماء الديني، حيث ترتبط نسبة لا تقل عن 95 في المئة من السكان بدين واحد. وتضم الفئة الثانية دولا ذات دين مهيمن تتراوح حصته بين 80 و94 في المئة. ثم تأتي دول كانت متجانسة دينيا تاريخيا، لكنها تشهد تراجعا في هذه السمة بسبب اتساع فئة غير المنتمين دينيا أو نمو انتماء ديني آخر. ويضاف إلى ذلك نموذج الثنائية الدينية غير المتكافئة، والثنائية الدينية التي تجمع مجموعتين كبيرتين، ثم الدول متعددة الأديان التي تضم ثلاث مجموعات دينية أو أكثر ذات وزن ملموس.

وتبرز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فئة الدول ذات التجانس الديني المرتفع، إذ يورد النص المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسعودية واليمن والأردن والعراق ضمن البلدان التي يغلب فيها الإسلام بدرجات كبيرة. غير أن الدراسة تفرق بين التجانس الناتج عن امتداد تاريخي طويل، وذلك الذي تشكل بفعل وقائع حديثة من تهجير قسري أو نزاعات أو تبدلات حدودية. وتستشهد بتركيا، حيث ارتبط ارتفاع نسبة المسلمين بتحولات وقعت خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، وبباكستان التي أسهم التقسيم سنة 1947 وما رافقه من انتقالات سكانية واسعة في تعزيز تجانسها الديني.

وتعالج الدراسة إيران بوصفها حالة تتطلب التمييز بين الانتماء الديني المعلن ودرجة التدين الفعلية. فبينما تقدر بيانات مركز بيو نسبة المسلمين بنحو 98 في المئة من السكان، تشير الدراسة إلى استطلاع لمؤسسة فونداپول أفاد بأن 47 في المئة من الإيرانيين قالوا إنهم ابتعدوا عن الدين الإسلامي. وتربط النصوص المعروضة هذا التباين بالسياق السياسي والديني الذي تعيشه البلاد منذ 1979 وبالاحتجاجات المرتبطة بالحجاب منذ 2022، من دون أن تحسم في تفسير واحد للفارق بين المصدرين.

وتعرض الدراسة أمثلة لدول ذات دين مهيمن، منها بنغلادش وإندونيسيا وسلطنة عمان والفلبين وتايلاند. وفي هذه الحالات، تكتسب الأقليات الدينية أهمية جيوسياسية حين تتركز في أقاليم محددة، كما في جنوب الفلبين أو المحافظات الجنوبية لتايلاند. كما تشير إلى إسرائيل، حيث تتداخل التوزيعات الدينية مع تاريخ الدولة والتحولات السكانية التي عرفتها منذ 1948.

وفي أوروبا والأمريكيتين، تركز الدراسة على صعود غير المنتمين دينيا وتزايد التنوع الديني بفعل الهجرة. وتورد بيانات سنة 2020 التي تضع نسبة المسيحيين عند 56,2 في المئة في ألمانيا و46,5 في المئة في فرنسا و49,4 في المئة في المملكة المتحدة، مقابل نسب مرتفعة لفئة غير المنتمين دينيا. كما تتناول الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا والبرازيل والأرجنتين وكولومبيا بوصفها نماذج لتحولات تتراجع فيها الهيمنة المسيحية التاريخية.

أما الدول ثنائية ومتعددة الأديان، فتقدم الدراسة نيجيريا وإثيوبيا وكوت ديفوار والبوسنة والهرسك أمثلة عليها، حيث تتخذ الجغرافيا الدينية أحيانا شكلا إقليميا واضحا. وتورد موريشيوس وسنغافورة وسورينام وبنين وتوغو ضمن الدول ذات التنوع الديني الواسع. وتخصص الصين بحالة مستقلة، نظرا لصعوبة قياس التدين في ظل نظام سياسي شديد المركزية، وتعدد التقاليد الروحية والثقافية، وغياب شروط تتيح تقديرا دقيقا للانتماءات الدينية. وتخلص الدراسة إلى أن فهم خريطة الأديان يقتضي وصل المعطيات السكانية بالتاريخ السياسي والهجرة والصراعات والسياسات المعاصرة.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98223175/aladyan-trs...


: في نفس القسم