الأدب الرقمي بين كلفة «التوكنات» وأثر العادة البشرية


Rédigé le الاثنين 16 مارس 2026 à 00:21 | Lu 1 commentaire(s)



تثير الإشارة إلى أن عبارات بسيطة مثل «من فضلك» و«شكراً» تكلف شركة ناشئة عملاقة عشرات ملايين الدولارات سنوياً مزيجاً من الدهشة والسخرية، لكنها تكشف في العمق عن تداخل غير مسبوق بين البنية التحتية الرقمية والعادات الأخلاقية المتجذرة في الحياة اليومية. تصريح سام ألتمان بأن المجاملة مع «شات جي بي تي» راكمت فاتورة من «عشرات ملايين الدولارات» في استهلاك الكهرباء، كما نقله أكثر من تقرير تقني أميركي معاصر، يعيد صياغة سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يُطلب من الإنسان أن يكيّف سلوكه اللغوي مع منطق الكفاءة الحاسوبية، أم أن التقنية هي التي يفترض أن تستوعب طبائع التخاطب الإنساني المتوارثة؟



هذه المفارقة لا تقف عند حدود الأرقام، رغم ضخامتها في سياق استهلاك الطاقات الذي يرافق تشغيل نماذج لغوية كبرى تستجيب لأكثر من مليار استعلام يومياً، بل تمتد إلى مستوى آخر يتعلق بطبيعة النصوص التي تُغذي هذه النماذج وكيفية استدعائها عند كل تفاعل. دراسة حديثة صادرة عن جامعة «واسيدا» اليابانية حملت عنواناً لافتاً حول مسألة «احترام» النماذج اللغوية، وأظهرت عبر تتبع تجريبي لعينات متعددة بالإنجليزية والصينية واليابانية أن مستوى اللياقة في الصياغة يرتبط بشكل ملموس بجودة المخرجات. وفق هذه الدراسة، أدت الصيغ الفظة أو الآمرة إلى إجابات أكثر فقراً من حيث الدقة، وأوسع انحيازاً في القوالب النمطية، وأكثر ميلاً إلى الرفض أو المراوغة، في حين حققت درجات متوسطة من التهذيب أداءً أفضل من الطرفين المتشدد والمتكلف.

يميّز هذا العمل البحثي بين مستويات متعددة من الخطاب؛ من الرجاء المهذب حتى الأمر المباشر، ويرصد أن النماذج المدربة على كتل نصية هائلة تميل، بحكم آلية «المحاكاة الإحصائية»، إلى استدعاء مدونات أكثر احترافاً حين تصاغ المطالب بصيغة أقرب إلى لغة المراسلات المهنية أو الأكاديمية، بينما تستدعي طبقات لغوية أقرب إلى نقاشات المنتديات غير الرسمية حين تُصاغ الأوامر بلهجة مقتضبة أو آمرة. بهذا المعنى، لا يعود الاختلاف في النبرة مجرد مسألة ذوق، بل يتحول إلى عامل يؤثر في المحتوى ذاته الذي يعرضه النظام، بما في ذلك درجة التحيز واحتمال الخطأ وسلوك الرفض.

على الضفة الاجتماعية، تكشف استطلاعات رأي حديثة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أجريت على عينات تتجاوز ألف مستخدم للذكاء الاصطناعي التوليدي، أن غالبية ملحوظة تقول «من فضلك» و«شكراً» عند التعامل مع النماذج اللغوية. تشير إحدى الدراسات التي نقلتها وسائل إعلام تقنية متخصصة إلى أن نحو ثلثي مستخدمي الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يلتزمون بهذه العبارات، وأن نسبة كبيرة منهم تبرر ذلك بكونه «التصرف السليم»، بينما يقر جزء أصغر بأن الدافع خليط من العادة ومن تصور مستقبلي غامض لمكانة هذه الأنظمة في الحياة اليومية. ما يلفت في هذه النتائج هو أن الأمر أقل ارتباطاً بإسناد «مشاعر» إلى الآلة وأكثر اتصالاً بالحفاظ على نسق سلوكي واحد يحكم التفاعل مع البشر ومع الواجهات الرقمية معاً.

من الناحية النفسية والسلوكية، لا يبدو أن الأهل الذين يحرصون على تعليم أطفالهم استخدام عبارات اللباقة مع المساعدات الصوتية المنزلية يسعون إلى تهذيب «الآلة»، بقدر ما يحاولون تجنب خلق استثناء لغوي قد يمتد إلى العلاقات الإنسانية. السماح بالفظاظة مع جهاز في زاوية الغرفة، بحجة أنه لا «يتأثر»، قد يتحول تدريجياً إلى نمط تلقائي في التخاطب ينسحب على الآخرين، خصوصاً في بيئات رقمية هجينة يتداخل فيها الإنسان والبرنامج في مساحة تواصل واحدة. وعندما يُطلب من مئات الملايين «توفير» هذه العبارات بحجة تخفيض نسبة ضئيلة من كلفة التشغيل لدى شركة ذات تقييم يناهز مئات مليارات الدولارات، فإن النقاش يغادر المجال التقني البحت إلى حقل أوسع يتعلق بالتصور الأخلاقي للعلاقة مع الأدوات الذكية.

في المقابل، يقدّم عدد من الباحثين في مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى صورة مختلفة لعلاقة المستخدم بالنظام، تشبه ما وصفه أحد علماء «ديب مايند» بكون النموذج اللغوي أقرب إلى «متدرب ذكي» يلتقط من طريقة التخاطب مع المستخدم كيفية تنظيم وإخراج العمل. هذا التوصيف لا يمنح النموذج مكانة أخلاقية مستقلة، لكنه يوضح أن بناء سيناريو افتراضي تعامل فيه الواجهة كطرف مهني متعاون يدفع المستخدم بدوره إلى صياغة مطالبه بصورة أكثر بنية واتساقاً، ما ينعكس مباشرة على جودة النتيجة. في هذه الحال، يصبح التهذيب جزءاً من هندسة الطلب وليس مجرد لفتة أخلاقية.

بين كلفة كهرباء إضافية تتراكم مع كل توكن زائد، ودراسات تُظهر أن خطاباً مهذباً نسبياً ينتج إجابات أكثر تماسكاً وأقل انزلاقاً نحو الانحياز أو الخطأ، يلوح أن النقاش حول «جدوى» الأدب مع الذكاء الاصطناعي يتجاوز الحسابات المحاسبية الضيقة. المسألة تتصل بكيفية تشكل العادات اللغوية في عصر تصبح فيه الواجهة النصية هي الوسيط الأول مع المعرفة ومع طيف واسع من الخدمات، من التعليم إلى العمل الصحافي نفسه. اختيار التعامل مع هذه الواجهة بوصفها مجرد أداة صمّاء أو بوصفها قناة تستدعي من المستخدم أفضل ما لديه من انضباط لغوي وأخلاقي لن يكون قراراً تقنياً صرفاً، بل جزءاً من تصور أوسع لما ينبغي أن يبدو عليه الإنسان في عالم تخالطه الآلة في كل تفصيل من تفاصيل حياته اليومية.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95347543/aladb-alrk...


Dans la même rubrique :