أعلنت حكومة جزر الكناري عن تبنّيها الصريح للموقف الرسمي للحكومة الإسبانية المؤيد لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب لتسوية قضية الصحراء، مؤكدة اعتبار هذا المقترح أساساً واقعياً وذا مصداقية لأي تسوية سياسية مقبلة. ويأتي هذا الإعلان ليضع حدّاً لمرحلة طويلة اتسمت فيها مواقف القوى السياسية في الأرخبيل بنبرة متحفظة أو متمايزة جزئياً عن الخط الرسمي المعتمد في مدريد حيال هذا الملف.
الخطوة التي صدرت عن السلطة التنفيذية في لاس بالماس تعكس إرادة واضحة للانسجام مع توجهات الحكومة المركزية الإسبانية، منذ إعلان رئيسها السابق بيدرو سانشيز دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها خياراً جدياً وواقعياً ضمن جهود التسوية التي ترعاها الأمم المتحدة. وقد أضفت حكومة جزر الكناري بعداً جديداً على هذا التوجه، من خلال إسنادها العلني للموقف ذاته في سياق إقليمي تعتبر فيه هذه الجزر واجهة أطلسية متقدمة داخل الفضاء الجغرافي القريب من الأقاليم الجنوبية للمغرب.
وجاء إعلان حكومة الأرخبيل في أعقاب اجتماعات رسمية وتصريحات علنية لرئيسها فرناندو كلافيخو، الذي شدد على أهمية استقرار العلاقات بين الرباط ومدريد بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على المصالح الاقتصادية والبحرية والطاقية لجزر الكناري. وحرص المسؤولون المحليون على الإشارة إلى أن انسجام موقفهم مع الحكومة الإسبانية يدخل ضمن تصور أشمل للأمنين الاقتصادي والإنساني في غرب البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، في ظل تنامي أدوار الربط البحري والجوي بين الجزر والسواحل المغربية.
وشهدت السنوات الأخيرة توسعاً في مجالات التعاون بين المغرب وجزر الكناري، سواء على مستوى الربط البحري ونقل المسافرين والسلع، أو في ما يتعلق بتنسيق إدارة ملفات الهجرة غير النظامية وإنقاذ الأرواح في عرض البحر. كما برزت مشاريع اقتصادية مشتركة في قطاعات السياحة والطاقات المتجددة واللوجستيك، ما أسهم في رفع حجم المبادلات التجارية وتكثيف الاتصالات بين الفاعلين الاقتصاديين في الدار البيضاء والرباط من جهة، ولاس بالماس وسانتا كروز دي تينيريفي من جهة أخرى.
وفي خلفية هذا التقارب، تسعى السلطات في الأرخبيل إلى تجنّب التوترات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال فترات سابقة، حين انعكست مباشرة على الحركة التجارية والبحرية المرتبطة بجزر الكناري. لذلك يُنظر داخل الأوساط الحكومية في الجزر إلى تبني موقف واضح إزاء مبادرة الحكم الذاتي باعتباره عاملاً داعماً للاستقرار مع الجار الجنوبي، وبوابة لتعزيز حضور الأرخبيل ضمن مسارات التعاون الثلاثي الذي يضم المغرب وإسبانيا وشركاء أوروبيين وأفارقة.
في المقابل، يضع هذا التموضع الجديد حداً لهوامش المناورة التي كانت بعض القوى الحزبية المحلية تستخدمها لتبنّي مقاربات مغايرة لسياسة مدريد في ملف الصحراء، خاصة تلك التي كانت تعبّر عن حساسية موروثة من التاريخ الاستعماري الإسباني في الإقليم. ومع ذلك، لا تزال الساحة السياسية في جزر الكناري تحتفظ بتنوع في المواقف، ولو أن الاتجاه الغالب يميل إلى تغليب اعتبارات المصلحة الاقتصادية والاستقرار الأمني على أي مقاربة رمزية أو أيديولوجية للنزاع.
ويحظى التقارب المغربي الإسباني، كما تعكسه مواقف جزر الكناري، باهتمام الأوساط المتابعة في الرباط التي ترى في هذا المسار تأكيداً لاستمرارية الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي كحل ذي أولوية لدى عدد متزايد من الفاعلين الأوروبيين. كما يندرج هذا التطور في مسلسل أوسع يعيد ترتيب علاقات المغرب مع محيطه الأوروبي والمتوسطي، على قاعدة شراكات اقتصادية وأمنية متشابكة يتجاور فيها البعد الثنائي مع أبعاد إقليمية أوسع تمتد نحو إفريقيا جنوب الصحراء والمجال الأطلسي.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/96291963/astfaf...