يستند هذا المقال إلى مقابلات وشهادات ميدانية وتحليلات بحثية تناولتها حلقة “دين العالم” على إذاعة RFI ، إضافةً إلى أعمال أكاديمية حول تاريخ الجماعات اليهودية السوداء في أفريقيا.
على مدى العقدين الأخيرين، تشهد أفريقيا جنوب الصحراء موجة لافتة من التوجّه نحو اليهودية؛ ظاهرة حديثة في وتيرتها، لكنها متجذّرة في سرديات محلية عن الأصل والهوية والبحث الروحي. بين من يعدّ نفسه امتداداً لقبائل إسرائيل “الضائعة” ومن يعتنق اليهودية عن قناعة دينية معاصرة، تتكوّن اليوم خريطة متنوّعة لليهودية الأفريقية تمتد من نيجيريا وكوت ديفوار إلى أوغندا وكينيا وجنوب أفريقيا.
تاريخياً، مثّل الاعتراف الرسمي بيهود إثيوبيا (بيتا إسرائيل) في الثمانينيات نقطة تحوّل؛ إذ فتح الباب أمام جماعات أفريقية أخرى لطرح تقاطعات بين عاداتها وطقوسها وبين الشريعة اليهودية، من لامبا في جنوب أفريقيا وزيمبابوي، إلى الأبايودايا في أوغندا، و”بيت إسرائيل” في غانا، مروراً بعشرات المجموعات في نيجيريا. هذه الموجة الأولى ارتكزت على سردية النسب التاريخي، فيما ظهرت لاحقاً موجة ثانية أكثر صراحة في تبنّي التحوّل الديني المنظّم والاندماج في الممارسة الأرثوذكسية أو المُحافِظة.
في نيجيريا، البلد الأكبر سكاناً في أفريقيا، يبرز الإيغبو كمثال دالّ: تقديرات غير رسمية تتحدّث عن 80 كنيساً ونطاق عددي بين 10 آلاف و30 ألف مصلّ، مع هوية دينية أفريقية واضحة تمزج بين نصوص الصلاة المتداولة عالمياً وتعبيرات موسيقية محلية نابضة. هنا، لا يُنظر إلى اليهودية كجسر للهجرة إلى إسرائيل بقدر ما تُرى كإطار لبناء المجتمع محلياً، رغم التحدّيات السياسية والاجتماعية وضبابية الاعتراف من المؤسسات الدينية الكبرى.
في كوت ديفوار، تظهر جماعات متحوّلة حديثاً تتّبع تقاليد حسيدية مثل بريسلوف، مع التزام ملحوظ بالمظهر والطقوس الأرثوذكسية وتطلّع صريح إلى نيل الاعتراف الحاخامي. هذا المسار التنظيمي يعكس انتقالاً من خطاب “نحن يهود بالهوية” إلى “نحن نعتمد مسار التحوّل الكامل والاندماج في الهلاخاه”، ما يسلّط الضوء على روح براغماتية لبناء شرعية دينية مستدامة محلياً، حتى في ظل أجواء إقليمية حسّاسة وتأثيرات الصراعات في الشرق الأوسط على نظرة المجتمع لهم.
في شرق أفريقيا، لعبت أوغندا دور محور إسناد عبر مجتمع الأبايودايا ومسار تحوّل أرثوذكسي أشرف عليه حاخامات دوليون، وصولاً إلى رسامة غيرشون سزومو كأول حاخام أفريقي معترف به. دعمت هذه البنية حلقات في كينيا حيث انقسم المشهد بين جماعة نيروبي الأرثوذكسية ومجموعات محلية اتخذت مساراً محافظاً خارج العاصمة. هذا الانقسام المذهبي يعكس تحدّياً عملياً: كيف تُفتح أبواب الانضمام دون الإخلال بمعايير التحوّل؟ وكيف يُصان نسيج الجالية حين يتباين معيار القبول؟
دوافع هذا الازدهار ليست أحادية. فهناك سرديات هوية تستعيد “الأصل الإسرائيلي” ضمن أفق ثقافي أفريقي يثمّن فكرة “منبع الجماعة”، وهناك أيضاً مسارات إيمانية حديثة ترى في اليهودية نظاماً أخلاقياً وروحياً واضحاً يُعيد تنظيم الحياة الدينية على أسس دراسة للنص وتطبيق للطقس. ساعدت ترجمة النصوص الكتابية إلى لغات أفريقية على تعميق صِلات رمزية بين روايات العهد القديم وبعض الأعراف المحلية: الختان، قواعد الطعام، فصل الدم عن اللحم عند الذبح، وحتى طقوس التوبة الجماعية قرب المياه التي يجد بعضهم صداها في رأس السنة اليهودية.
في جنوب أفريقيا وزيمبابوي، لطالما قدّم اللامبا نموذجاً لافتاً لسوسيولوجيا الاعتراف؛ فبين قرائن جينية وثقافية وطقوسية، نشأت قناعة داخلية ثابتة بأن التحوّل ليس شرطاً، بل إن الشرعية نابعة من التاريخ. هذا يختلف عن الجماعات الأحدث التي ترى في التحوّل المؤسسي بوابة ضرورية للاندماج والقبول، ما يضع المشهد برمّته بين خطابين مشروعين: شرعية الأصل وشرعية الممارسة.
خارج القارة، تُطرح مسألة القبول الاجتماعي والديني لليهود السود بقوة في أوروبا وأميركا. في فرنسا، على سبيل المثال، تعمل جمعيات مثل “أميسرائيل فارافينا” على مواجهة العنصرية والتمييز ضد المتحوّلين السود، والدفاع عن مساواة كاملة في المكانة الدينية والاجتماعية. سرديات التجربة الفردية هنا تكشف جانباً إنسانياً عميقاً: اعتناق اليهودية خيار واعٍ، لكنه يأتي أحياناً بتكاليف اجتماعية مضاعفة، ويحتاج إلى شبكات دعم حقيقية تحفظ الكرامة وتضمن الاندماج.
يمكن وصف ما يحدث بـ”إحياء ديني” أفريقي يتّخذ اليهودية كأفق روحي عالمي لدى بعض المجموعات، دون أن ينفصل عن سياقات محلية للهوية والذاكرة والعدالة. إنه تقدّم تدريجي، متواضع في الأرقام مقارنةً بتعداد القارة، لكنه ثابت في المنحنى، ويتوسّع جغرافياً عاماً بعد عام. وهذه الاستمرارية تنبع من بساطة المعادلة: بحث أصيل عن الحقيقة الدينية، واستثمار عملي في بناء جماعات تعبّد، ومثابرة على نيل الاعتراف دون التخلّي عن الانتماء الأفريقي.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93207129/azdhar-al...


