اختطاف وفقدان إصبع وصعود نحو أسطورة التسلق


Rédigé le الجمعة 3 أبريل 2026 à 20:31 | Lu 0 commentaire(s)



في سيرة المتسلق الأمريكي تومي كالدويل تتداخل التجربة الجسدية القاسية مع بناء قدرة نفسية استثنائية على التحمّل، في مسار تحوّل فيه الألم والتهديد المباشر للحياة إلى عناصر مكوِّنة لما يشبه «هدوءاً صلباً» في مواجهة الشدائد. هذا المتسلق الذي يُعد من أبرز متسلقي الصخور في العالم، اشتهر بصعوده لجدار «دون وول» في «إل كابيتان» في يوسيميتي وبمشاريع تسلق متتالية مع ألكس هونولد، مثل عبور قمم «ديفلز ثمب» في ألاسكا خلال يوم واحد، على الرغم من فقدان الجزء العلوي من سبّابته اليسرى في حادث نشر وهو في سن 23 عاماً. قبل ذلك بعام واحد كان قد عاش تجربة اختطاف مسلح في جبال قيرغيزستان على يد مجموعة مرتبطة بتنظيم إسلامي مسلح، انتهت به إلى دفع أحد مختطفيه عن حافة منحدر لتأمين هروبه ورفاقه بعد ستة أيام من الأسر والترحال القسري ونقص الطعام.



تقدم مادة صحفية مطولة نُشرت في موقع «بيغ ثينك» ضمن ملف بعنوان «جذور الصمود» صورة مركبة لشخصية كالدويل، تجمع بين ميل فطري إلى الأعمال المرهِقة المتكررة وبين تربية مبكرة اعتمدت على ما يسميه والده «المشقّة الاختيارية». منذ طفولته في كولورادو، حين واصل حفر «حفرة إلى الصين» في حديقة البيت لأكثر من عامين حتى وقف الصخر مانعاً، تبدو النزعة إلى العمل الطويل الرتيب جزءاً من تكوينه النفسي، وهو ما عاد للظهور لاحقاً في رحلته بالدراجة لمسافة تقارب 2500 ميل مع هونولد إلى قاعدة «ديفلز ثمب» ثم صعود القمة نفسها. في هذه الرحلة، بعد فترة من الإصابة والعزلة المنزلية خلال الجائحة والانشغال العائلي، اكتشف من جديد أن ذهناً منشغلاً بحركة جسدية متواصلة وبسيطة يتيح له شعوراً بالتحرر الداخلي لا توفره أساليب التأمل البطيئة أو تمارين التنفس التي كثيراً ما تُطرح كأدوات جاهزة للصمود النفسي.

على المستوى الجسدي لا يمتلك كالدويل المواصفات «النموذجية» لبطولة التسلق؛ فطوله ونسبة امتداد ذراعيه وبنيته النحيلة، إضافة إلى فقدان جزء من إصبع أساسي، لا تشكل وصفة واضحة للهيمنة على أصعب المسارات. مع ذلك يصف بنفسه ميزته الأساسية بأنها قدرة على المعاناة مع الاحتفاظ بمعنويات مرتفعة، إلى جانب ما يراه استعداداً وراثياً في عائلته على التعافي السريع من الإصابات العضلية والهيكلية. والده مايك، المتسلق وبطل كمال الأجسام السابق والمرشد الجبلي حتى في منتصف السبعينيات من عمره، يشير إلى هذه «المشقّة الاختيارية» التي فرضها على ابنه منذ سنواته الأولى: صعود جدران شاهقة في وادي يوسيميتي، وقضاء ليالٍ في كهوف ثلجية تحت كيس نوم واحد للعائلة قبل انتهاء المرحلة الابتدائية، بوصفها هِبة تربوية تدرّب على مواجهة العسر بدلاً من تجنبه.

تجربة الاختطاف في قيرغيزستان عام 2000 تمثل نقطة اختبار قصوى لهذه البنية النفسية. خلال ستة أيام تعرض كالدويل ورفاقه للمسير القسري، والاختباء، ومشاهدة إعدامات ميدانية، ثم اتخاذ قرار عنيف بدفع أحد الخاطفين عن جرف صخري لفتح ثغرة للفرار، وهو قرار اعتقد لسنوات أنه يعني تحمّل عبء قتل إنسان. إلا أن عودته من تلك التجربة جاءت مخالفة للتوقع؛ إذ لم تظهر لديه استجابات جسدية أو نفسية مطابقة لأنماط الصدمة اللاحقة للاضطراب، بينما ظل اثنان على الأقل من زملائه يعانون تبعات مستمرة تعيق حياتهم اليومية. لاحقاً، وفي إطار جلسات علاجية شملت تجربة علاج مدعوم بمادة «إم دي إم إيه»، لم يعثر المعالِجون على أثر عميق لصدمات مكبوتة، وهو ما عززه إحساسه بأن امتلاكه زمام المبادرة في لحظة الهروب منح التجربة معنى مختلفاً وأقرب إلى «النمو ما بعد الصدمة».

الحياة العائلية الحاضرة في تفاصيل يومياته تبدو امتداداً لهذه الفلسفة العملية في التعامل مع الصعوبات. ابنه فيتز، الذي يحمل اسم سلسلة قمم «فيتز روي» في باتاغونيا التي عبرها والده مع هونولد عام 2014 في ظروف برد ونقص معدات نوم وغذاء، يمارس التزلج التنافسي بعد انتقال العائلة إلى بحيرة تاهو، بينما تعاني ابنته إنغريد من متاعب في وتر أخيل تشبه ما عرفه والدها وجدّها. زوجته بيكا، التي جاءت من خلفية «هاوية» في الهواء الطلق، تميل إلى دفع الأطفال، وأحياناً زوجها، إلى تجاوز مناطق الراحة، إلى حد أن عبارة «أنتم من عائلة كالدويل، ستذهبون للتسلق الآن» تتحول إلى قاعدة تربوية ملزِمة.

في الخلفية الإحصائية والفكرية تحضر قراءات علم النفس الحديثة؛ تقرير لجامعة هارفارد عام 2015 يربط بين وجود علاقة مستقرة مع شخص بالغ موثوق في الطفولة وبين تشكّل أنماط صمود صحي في بنية الدماغ، وهو ما ينطبق على علاقة كالدويل بوالده. في الوقت نفسه لا يبدو أن صموده يعتمد كثيراً على منظومات إيمانية أو عائلية تقليدية؛ ففي اختبار «مقياس الصمود المختصر» حقق نتيجة في الشريحة السادسة والتسعين، بينما جاء تقييمه أدنى على «مقياس كونور–ديفيدسون» الذي يضيف أبعاد الدعم الأسري والإيمان واليقين بالمصير، بما يوحي بأن قوة احتماله تنبع أساساً من تراكم خبرات عملية في مواجهة العسر أكثر مما تستند إلى إطارات فكرية جاهزة.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95810757/akhttaf-ofk...


: في نفس القسم