وقعت 29 دولة اتفاقاً متعدد الأطراف لإنشاء هيئة دولية جديدة للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس انتقال النقاش حول تنظيم هذه التكنولوجيا من مستوى المبادئ العامة إلى محاولة بناء بنية حوكمة عملية ومستقرة بين الحكومات. يأتي هذا الاتفاق بعد سلسلة مبادرات متفرقة خلال السنوات الأخيرة، من «إعلان بليتشلي» في المملكة المتحدة إلى الأطر التنظيمية الأوروبية، ليضيف لبنة جديدة إلى المشهد المتشكل لحوكمة الذكاء الاصطناعي على مستوى عالمي.
بحسب برقية نشرتها وكالة رويترز، ينص الاتفاق على تأسيس هيئة تعاون حكومية مكرسة لقضايا الذكاء الاصطناعي، تشارك فيها 29 دولة تمثل مزيجاً من الاقتصادات الكبرى والناشئة، دون أن تكون محصورة في تكتل جغرافي واحد. هذا العدد يعكس رغبة مجموعة واسعة من الحكومات في تقاسم العبء التنظيمي والتقني، في مواجهة نماذج وأسواق تولدها أساساً شركات أمريكية وصينية، مع حضور متزايد لفاعلين من أوروبا وآسيا.
الاتفاق يندرج في سياق مساعي مستمرة للانتقال من بيانات نوايا سياسية إلى آليات متابعة أكثر انتظاماً، عبر هيئة دائمة يمكن أن تستضيف اجتماعات دورية، وتجمع خبراء وتقنيين ومشرّعين من الدول الأعضاء لصياغة توصيات أو خطوط توجيهية مشتركة. ورغم غياب تفاصيل كاملة حول هيكل الهيئة الجديدة، تشير الصيغة العامة إلى نوع من المنتديات الحكومية عالية المستوى، من شأنه أن يواكب تطور النماذج التوليدية واسعة النطاق، وقضايا السلامة والأمن، وحقوق المستخدمين، وتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
من منظور توازن القوى التنظيمية، يضيف هذا التشكّل المؤسسي الجديد طبقة أخرى إلى شبكة متشعبة من المبادرات: الاتحاد الأوروبي يواصل تطبيق «قانون الذكاء الاصطناعي»؛ الولايات المتحدة تتحرك عبر أوامر تنفيذية وتوصيات تنظيمية؛ الصين تعتمد إطاراً خاصاً بها للأنظمة التوليدية؛ فيما تظهر مبادرات قطاعية مثل التعاون بين شركات ناشئة ومزودي بنية تحتية سحابية، كما يظهر في الاتفاق المبرم بين شركة Perplexity وMicrosoft بقيمة 750 مليون دولار لنشر نماذج متعددة على منصة Azure. وجود هيئة حكومية متعددة الأطراف يتيح للدول الأعضاء تبادل الخبرات حول كيفية التعامل مع هذه المنظومات المتسارعة، وربما بناء قدرات تنظيمية مشتركة أو متقاربة.
أحد الرهانات المركزية لهذا النوع من الاتفاقات يتمثل في القدرة على معالجة التفاوت الكبير في الموارد التقنية والمؤسسية بين الدول المشاركة؛ فالبلدان ذات البنية الرقمية المتقدمة تدخل النقاش على أساس الخبرة والقدرات، بينما تحتاج الاقتصادات الناشئة إلى دعم في تطوير كفاءات، بنى تحتية للبيانات، وأطر قانونية تواكب التطبيقات الجديدة للذكاء الاصطناعي في الإعلام، التعليم، والخدمات العامة. ومن شأن هيئة تعاون دولية أن توفر منصة لتقاسم نماذج تنظيمية، وتجارب عملية في التعامل مع المخاطر مثل التزييف العميق، التلاعب بالمعلومات، والتحيزات الخوارزمية، وهي قضايا ذات صلة مباشرة بالعمل الصحفي والاتصالي الذي تعوّل عليه مؤسسات الإعلام في المنطقة المغاربية والعالم العربي.
مع ذلك، يبقى مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي منطقة نقاش مفتوح، حيث تتباين رؤى الدول والشركات حول درجة التشدد التنظيمي، وحدود ما يعتبر خطراً مقبولاً أو غير مقبول، وطبيعة التوازن بين الابتكار والحماية. الاتفاق الجديد لا يحسم هذه التوترات، بل يوفر إطاراً لمواصلة التفاوض حولها، في وقت تتسارع فيه وتيرة إطلاق نماذج جديدة وتطبيقات موجهة للجمهور العام وللشركات، مثل المنصات التي تقدم إجابات فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمجالات البحث والكتابة والتحليل. بالنسبة لصحفي مهتم برصد تحولات حوكمة الذكاء الاصطناعي، يمثل هذا الاتفاق مؤشراً على أن ملف تنظيم هذه التكنولوجيا يتحول تدريجياً إلى موضوع دبلوماسي دائم، له اجتماعات، هيئات، وربما في المستقبل القريب معايير عابرة للحدود أكثر تحديداً.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...

مئة عام على جامع باريس: ذاكرة استعمارية وسجالات معاصرة
