اتجاهات جمالية قاتلة عبر التاريخ: من الراديوم إلى ديدان الشريط


الأربعاء 19 أغسطس/أوت 2026 à 00:04 |



في مطلع القرن العشرين، اكتُشف الراديوم وأحيط به هالة من الانبهار بوصفه عنصراً ذا خصائص «سحرية»، خصوصاً مع توهجه الخافت الذي رآه كثيرون دليلاً على طاقة حيوية خفية يمكن تسخيرها طبياً وتجملياً. سرعان ما ظهرت منتجات تجارية مثل مستحضر موضعي يحمل اسم «Ec-Zine» ومياه شرب مشبعة بالراديوم رُوِّج لها كعلاجات لكل شيء تقريباً، من مشكلات الجلد إلى ما وُصف آنذاك بـ«تسمم الدم». بحلول ثلاثينيات القرن الماضي، دخلت شركات التجميل السباق، إذ طرحت شركة فرنسية تدعى «Tho-Radia» مستحضرات كالكريمات ومرطبات الشفاه على أساس أنها تطبيق «منهجي علمي» للحفاظ على بشرة الوجه والرقبة، قبل أن يتبيّن أن التعرض المتكرر للراديوم يسبب أضراراً عميقة للعظام ويرفع احتمالات الإصابة بالسرطان، ما أدى إلى تراجع استخدامه مع تنامي الوعي العلمي وتشديد التشريعات.



قبل ذلك بقرون، كان اللون الشاحب في إنجلترا الإليزابيثية علامة على الثراء وابتعاد صاحبته عن الأعمال الشاقة، الأمر الذي دفع كثيرات إلى استعمال مستحضر أساس شهير عرف باسم «السيروز الفينيسي» مكوَّن من الخل والماء ومسحوق الرصاص الأبيض لتحقيق لون باهت متجانس للبشرة. هذا المستحضر، إلى جانب أنواع من أحمر الخدود المعتمدة على الرصاص الأبيض ممزوجاً بصبغات ملوّنة، منح النساء المظهر المرغوب لكنه أدى على المدى الطويل إلى تغيّر لون الجلد وتساقط الشعر، فيما يُعرف اليوم بأن التعرض المزمن للرصاص يمكن أن يفضي إلى اضطرابات عصبية خطيرة، وهي ممارسة امتداد لاستخدام الرصاص في مستحضرات الزينة منذ حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة وروما.


في أوروبا عصر النهضة، ولا سيما في بعض الأوساط الإيطالية، برز معيار جمالي يفضّل العيون الواسعة ذات البؤبؤ المتسع، ما شجّع استخدام قطرات عينية مشتقة من نبات «أتروبا بيلادونا» المعروف أيضاً بـ«ستّ الحسن» أو «الست القاتلة» بسبب سميّته العالية. المادة الفعّالة في هذا النبات، «الأتروبين»، لا تزال تُستخدم اليوم في جرعات مضبوطة وتحت إشراف طبي لتوسيع حدقة العين، غير أنّ الاستخدام التجميلي التاريخي تمّ بجرعات غير منضبطة وتكرار مستمر سعياً إلى مظهر أكثر «فتنة»، وهو ما أدى لدى كثيرات إلى تشوش في الرؤية وحساسية مفرطة للضوء واضطراب في الجهاز العصبي، مع مخاطر دائمة قد تصل إلى العمى.


مع اكتشاف الأشعة السينية سنة 1895، انتشر الانطباع بأنها قوة غير مرئية قادرة على اختراق الجسد وإحداث تغيّرات دقيقة من دون ألم، وهو ما فتح الباب لتسويقها كوسيلة لإزالة الشعر غير المرغوب فيه. خلال العقود الأولى من القرن العشرين، بدأت عيادات في أميركا الشمالية وأوروبا تعرض خدمات إزالة الشعر بالأشعة السينية كبديل «حديث» للحلاقة أو إزالة الشعر بالشمع، إذ كان التعريض المتكرر للإشعاع يضعف بصيلات الشعر فيتراجع نموه تدريجياً، إلا أنّ ما اعتُبر ميزة تجميلية تحوّل لاحقاً إلى مشكلة صحية مع تزايد حالات الحروق الجلدية المزمنة وظهور سرطانات بعد سنوات من الخضوع للعلاج، ما دفع إلى وقف هذه الخدمات في أواخر أربعينيات القرن نفسه بعدما تبيّن أن الكلفة الصحية تفوق بكثير أي منفعة شكلية.


في المجال نفسه، ظهرت في مطلع القرن العشرين موجة أخرى جمعت بين هوس النحافة وتطوّر سوق المنتجات البريدية غير الخاضعة للرقابة، عرفت بظاهرة «حمية ديدان الشريط» التي وُعد المستهلكون من خلالها بخسارة للوزن من دون تغيير نمط الأكل عبر ابتلاع كبسولات يُفترض أن تحتوي على بيوض دودة الشريط. الإعلان عن هذه المنتجات اعتمد على فكرة أن الطفيلي، بعد أن يفقس داخل الأمعاء، يتغذى من الطعام ويتكفّل بتخفيض الوزن، مع وعود بالتخلّص منه لاحقاً عبر علاج مضاد للطفيليات أو ما سُجّل في براءات اختراع القرن التاسع عشر كمصيدة خاصة لطرده من الجسم، بينما الواقع الطبي يشير إلى أن هذه الديدان يمكن أن تصل أطوالها إلى عشرة أمتار وتتسبب بإسهال وقيء وسوء تغذية ومضاعفات خطيرة في الجهاز الهضمي، إضافة إلى مخاطر عند التخلص منها، في حين يرجّح باحثون أن عدداً كبيراً من المنتجات المتداولة آنذاك لم يحتوِ فعلياً على الطفيليات بل على مكوّنات ملينة أو مواد خاملة، قبل أن تتراجع هذه الممارسات تدريجياً بحلول منتصف القرن العشرين.


هذه الأمثلة، من مستحضرات الراديوم مروراً بمساحيق الرصاص وقطرات «بيلادونا» وصولاً إلى الأشعة السينية و«حمية» الطفيليات، تظهر كيف سبق وهج الحداثة العلمية والتقنية آليات الضبط التنظيمي، وكيف لعبت الإعلانات التجارية والرموز الطبقية دوراً مركزياً في تطبيع التعرض لمواد خطيرة طلباً لمعايير جمالية سائدة. كما تبرز أهمية تطور الأطر التشريعية والبحث العلمي التجريبي في الحد من هذه الممارسات، وتذكّر بأن نقاشات اليوم حول سلامة الإجراءات التجميلية الحديثة، من العمليات الجراحية إلى التقنيات غير الجراحية، امتدادٌ تاريخي لمسار طويل من التوتر بين صورة الجسد ومتطلبات السلامة الصحية.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97241534/a...


: في نفس القسم