ترى المؤرخة إيمانويل سعادة أن فهم الاستعمار يقتضي تجاوز حدود التاريخ الوطني، دون اختزال المجتمعات التي خضعت له في تجارب الهيمنة وحدها. وفي حوار إذاعي ضمن برنامج «الرهانات الدولية» في «صباحيات فرانس كولتور»، بُثّ مباشرة من بلوا خلال «ملتقى التاريخ»، عرضت أستاذة جامعة كولومبيا بنيويورك خلاصات كتابها Histoires et colonisations. Des récits de la conquête aux héritages postcoloniaux، الصادر عن دار غاليمار في ماي الماضي.
يقدم الكتاب حصيلة لأكثر من ثلاثين عامًا من التحولات في الدراسات التاريخية، خاصة منذ مطلع التسعينيات، حين اتسع الاهتمام بالبعد الاستعماري والإمبراطوري. وبحسب سعادة، أعادت هذه المقاربة النظر في إطار ظل مهيمنًا منذ القرن التاسع عشر، يدرس الوقائع داخل حدود الأمة، حتى حين تتجاوز أسبابها ونتائجها تلك الحدود.
تستشهد سعادة بالثورة الفرنسية، التي تغيّرت قراءتها حين أُدرجت فيها أحداث المستعمرات، ولا سيما سان دومينغ وغوادلوب. فمفاهيم الحرية والمساواة والإخاء، في عرضها، لم تتشكل في باريس ومرسيليا وحدهما، بل ساهم في صياغتها نضال المستعبَدين وكتاباتهم وخطاباتهم في منطقة الكاريبي. لذلك ترى أن فهم الثورة يقتضي دراستها ضمن المجال الإمبراطوري، لا بوصفها حدثًا محصورًا في فرنسا الأوروبية.
لا يعني توسيع نطاق البحث أن الاستعمار يفسر كل ما عرفته المجتمعات الخاضعة له. وتؤكد سعادة ضرورة الجمع بين دراسة ما أحدثه الاستعمار من تدمير وتحولات عميقة في الثقافات والاقتصادات والبيئات، وبين تتبّع قدرة السكان على المقاومة والتكيف، وتوظيف بعض الأوضاع لخدمة أغراضهم. وتشير إلى أبحاث أظهرت استمرار موارد اجتماعية وثقافية وسياسية لم تستوعبها السيطرة الاستعمارية كليًا، في الأمريكتين والكاريبي وأفريقيا وشمال إفريقيا وآسيا.
وتضرب الجزائر مثالًا على ذلك، إذ تبيّن الدراسات أن الحياة خلال الحقبة الاستعمارية لم تكن محكومة بالاستعمار كله. وتستحضر عمل جاك بيرك عن امرأة في الأغواط لم تكن قد رأت فرنسيًا قط، حتى بعد الحرب العالمية الثانية، لتوضيح تفاوت حضور الاستعمار في الحياة اليومية.
بين القول بقطيعة تامة بعد الاستقلال، والقول باستمرار النظام نفسه تحت اسم الاستعمار الجديد، تميل سعادة إلى تفسير يقوم على تحوّل أنماط السلطة الإمبراطورية. وتربط ذلك بما احتفظت به المجتمعات من موارد فكرية وسياسية مكّنتها من تصوّر واقع مختلف والعمل على بنائه. وتستحضر في هذا السياق كتاب مليكة رحال عن الجزائر سنة 1962، وما يعرضه من انفتاح سياسي ونقاشات وقدرة على المبادرة لحظة الاستقلال. وترى أن تراجع تلك الإمكانات لاحقًا لم يكن نتيجة محسومة منذ البداية، وأن إدراك ذلك ضروري لفهم الانتقال من الحكم الاستعماري، دون إنكار استمرار أشكال من الهيمنة.
وعن استعمال المفهوم اليوم، تصف سعادة الحرب الروسية في أوكرانيا بأنها ذات طابع استعماري. وتستعين بفكرة «التشابه العائلي» عند فيتغنشتاين لتفسير اختلاف الحالات مع اشتراكها في سمات، أبرزها بسط السلطة واستغلال الموارد، وسياسات تغيير السكان والبيئات.
وفي تناولها لإسرائيل، تقرّ سعادة بوجود مشروع قومي، وترصد في الوقت نفسه خصائص تعتبرها استعمارية قبل عام 1948 وبعده، وكذلك منذ 1967، ومنها الاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان وتقييد الحركة. وتميّز بين نظام التمييز القانوني داخل إسرائيل حتى 1962، وما تلاه في الأراضي المحتلة منذ 1967. وتربط الخلاف حول هذا التوصيف بالبعد السياسي للمصطلح، وبميل القوى المعنية إلى رفضه، لا سيما بعدما ارتبط بنزع الشرعية عن الهيمنة.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98319008/e...