يقدّم المقال المنشور في موقع دار “إم آي تي برس” صورة مركّبة لتجربة ألبرت آينشتاين، حيث يُعاد رسم مساره من طفل عاش طفرة وجدانية دينية قصيرة إلى عالم فيزياء نظري ارتسمت في وعيه لاحقاً صيغة خاصة من التدين العقلي الكوني المتحرر من الأطر المؤسسية التقليدية، وهي الصيغة التي وصفها جيرالد هولتون بـ“الجنّة الثالثة” في قراءته لحياة العالم الشهير. يذكر المقال أن آينشتاين، عندما كتب سيرته الذاتية بطلب من أحد رجال الدين البروتستانت أواسط الأربعينيات، استعاد تلك اللحظة الأولى حين انتقل من بيئة عائلية يهودية غير متدينة إلى اختبار وجداني ديني قوي، قبل أن تقلبه قراءاته العلمية المبكرة نحو نزعة عقلانية حادّة قطعت مع الإيمان الطفولي، وفتحت أمامه أفقاً جديداً من الانجذاب إلى عالم الرياضيات والعلوم الطبيعية بوصفه مجالاً يمنح شعوراً بالحرية الداخلية والطمأنينة أكثر من الممارسات التعبدية التقليدية.
يشير النص إلى أن هذا التحول الفكري دفع آينشتاين، في سن المراهقة، إلى إعلان انفصاله عن الانتماء الديني الرسمي واختياره وضع “بلا مذهب”، معتبراً أن الالتزام الكامل بالبحث العلمي يمثّل “جنة ثانية” تستغرق جهده ووعيه، من دون أن يمحو ذلك الأثر العميق لتجربته الدينية الأولى. ويُفهم من العرض أن هذا الأثر لم يبق مجرد ذكرى وجدانية، بل تحوّل لدى الفيزيائي إلى ميل راسخ إلى تجاوز التقابلات الظاهرة في الطبيعة والفكر والأخلاق، والسعي إلى نوع من الوحدة الكامنة وراء الاختلافات، الأمر الذي سيظهر لاحقاً في مشروعه لتوحيد الإطارات المرجعية في الفيزياء وفي رؤيته الأوسع للعالم.
ويفصّل المقال ملامح هذا النزوع التوحيدي من خلال العودة إلى بعض مخطوطات آينشتاين ونصوصه، حيث اعتبر أن التباين في تفسير تجربة فاراداي للحث الكهرومغناطيسي، تبعاً لاعتبار الملف أو المغناطيس هو المتحرك، أمر لا يمكن قبوله ما دامت الظاهرة الفيزيائية واحدة، وهو ما دفعه إلى بلورة مبدأ النسبية الخاصة باعتباره مبدأ عاماً يوفّر إطاراً موحّداً لحالات تبدو متباينة. كما يوضح أن آينشتاين استخدم خلال تطور تفكيره منهجين متكاملين: الاعتماد على مبادئ شاملة يُبنى عليها البناء النظري، مثل مبدأ النسبية وثبات سرعة الضوء، ثم تعميم النظريات القائمة لإظهار وحدة أعمق، كما حدث عند انتقاله من النسبية الخاصة إلى النسبية العامة التي جمعت الزمان والمكان والجاذبية والكتلة في نسيج واحد.
ويعرض المقال كيف انعكس هذا الميل إلى الوحدة على مواقف آينشتاين السياسية والثقافية، حيث فضّل تقديم نفسه مبكراً بوصفه أوروبياً لا ينحصر في هوية قومية ضيقة، ثم تبنّى لاحقاً فكرة سلطة فوق قومية وتشجيع مبادرات عقلانية عابرة للدول، من قبيل بعض اللقاءات العلمية الدولية في مرحلة الحرب الباردة. وتُبرز القراءة أيضاً أن رؤيته للأديان قادته إلى اعتبار شخصيات كبرى مثل موسى وعيسى وبوذا أمثلة متساوية القيمة في المجال الروحي، وهو ما يندرج في إطار رفضه للحدود الفاصلة الحادة بين التقاليد العقائدية المختلفة، وتفضيله الانتماء إلى أفق إنساني أوسع.
ثم يتوقف المقال عند البعد الديني الخاص في لغة آينشتاين، ملاحظاً أنه استمر في استخدام مفردة “الله” في كتاباته وحديثه اليومي رغم ابتعاده عن الدين المؤسسي، الأمر الذي دفع بعض معاصريه إلى التعليق على هذا التداخل بين الخطاب العلمي والمرجعية الدينية. ويُذكر أن العالم الفيزيائي كان يركّز في نقاشاته على سؤال سماه جوهرياً، وهو ما إذا كان “لله خيار في خلق العالم”، في إشارة إلى اهتمامه بفكرة الضرورة في بنية الكون والقوانين التي تحكمه، أكثر من اهتمامه بصورة إله يتدخل في تفاصيل حياة البشر.
ويتناول النص حادثة مراسلة حاخام نيويوركي لآينشتاين أواخر العشرينيات لسؤاله عن إيمانه، حيث يُروى أنه أجاب بأنه يؤمن بإله على طريقة باروخ سبينوزا، أي ذلك الإله الذي يتجلى في انسجام قوانين الطبيعة، لا بإله شخصي يتابع مصير الأفراد وأفعالهم، بما يضع رؤيته خارج ثنائية الإيمان الكلاسيكي والإلحاد الصريح. ومن هنا ينتقل العرض إلى شرح تصوره لما سماه “الشعور الديني الكوني”، الذي وضعه في مرتبة ثالثة بعد دين الخوف والدين الأخلاقي، واعتبره حالة يكتشف فيها الإنسان هشاشة رغباته الفردية أمام نظام كوني واسع، ويميل إلى البحث عن معنى في وحدة الكون وترتيبه المدهش، بعيداً عن الصور البشرية للإله أو عن العقائد المذهبية التفصيلية.
ويشير المقال إلى أن آينشتاين اعتبر هذا الشعور الكوني أعلى درجات الدافع إلى البحث العلمي، حتى إنه رأى في العمل العلمي المتواصل نوعاً من التعبير عن تصوّر ديني رفيع لا يعتمد على الطقوس بل على الثقة في عقلانية الكون وقابليته للفهم. ويربط الكاتب هذا التوجه بتأثر مبكر وواضح بفلسفة سبينوزا، التي قدّمت تصوراً لوحدة الله والطبيعة ورفضت فكرة الغايات الكونية، وأكدت حتمية العلاقة السببية، وهي عناصر يجد المقال صداها في رفض آينشتاين للطبيعة الاحتمالية لميكانيكا الكم وإصراره على وجود بناء قانوني محدد خلف الظواهر.
كما يناقش النص مثالاً تقنياً هو إدخال “الثابت الكوني” في معادلات النسبية العامة من طرف آينشتاين، حيث يورد أن بعض الباحثين رأوا في هذا التعديل الاستثنائي نوعاً من الاستجابة اللاواعية لرغبة في تصور الكون مغلقاً وممتلئاً وغير قابل للتغيّر على مستوى البنية الكلية، ما يعكس أثراً فلسفياً سبينوزياً في خلفية صياغة تلك المعادلات. ومع أن آينشتاين نفسه وصف لاحقاً هذا الثابت بأنه خطأ كبير بعدما بيّنت الملاحظات الفلكية تمدد الكون، فإن المقال يعتبر أن المثال يكشف عن حضور أفق ميتافيزيقي ضمن عملية البناء النظري لدى العالم.
وفي ختام عرضه، يصف المقال صورة آينشتاين بوصفه عالماً يجمع بين عدم الانتماء الديني المؤسسي واعتماد تصور روحي عقلاني يقوم على الإيمان بأن العالم منتظم ويخضع لقوانين يمكن للعقل البشري اكتشافها، ويرى في هذا الإيمان نوعاً من التقاطع بين الفيزياء والبعد الوجداني، حيث تتجاور “جنة العلم” مع “جنة روحية” غير طقسية في أفق واحد. ويُفهم من هذه القراءة أن تجربة آينشتاين توفّر مثالاً عن كيفية نشوء شكل من التدين غير التقليدي في قلب المشروع العلمي الحديث، قائم على البحث عن وحدة المعنى في بنية الكون أكثر من الاعتماد على سرديات دينية موروثة، كما يقدّمه مقال “How Albert Einstein Found Faith at the Edge of Reason” المنشور في موقع “MIT Press Reader”.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95763592/ayman-aynsh...

الحجاب المدرسي للقاصرات واجتهادات التشريع السويسري
