تتصرف الجمهورية الإسلامية في الأشهر الأخيرة وكأن البنية التحتية الرقمية العابرة للخليج سلعة قابلة للمساومة وليست شرياناً حيوياً يربط قارات وأسواقاً واقتصادات بأكملها. فمع مطالبة السلطات الإيرانية بسلسلة من التصاريح ورسوم توصف بأنها «رسوم حماية» على أعمال صيانة الكابلات البحرية في مياه الخليج ومضيق هرمز، وجدت أكبر شركة عالمية متخصصة في مدّ وإصلاح هذه الكابلات، وهي شركة Alcatel Submarine Networks، نفسها مضطرة إلى تعليق عملياتها في المنطقة. هذا التوقف لا يعكس فقط خلافاً تنظيمياً محدوداً، بل يكشف استعداد طهران لاستخدام موقعها الجغرافي كوسيلة ضغط على التدفقات الرقمية التي تعبر المنطقة نحو أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
هذه السياسة الجديدة تأتي في وقت تمر فيه البنية التحتية للإنترنت العالمية بمرحلة حساسة، مع تعرض مسارات أخرى أساسية، مثل البحر الأحمر، لمخاطر أمنية متزايدة. ففي ظل الأضرار التي لحقت بعدد من الكابلات هناك، تصبح المسارات التي تعبر الخليج أكثر حساسية من أي وقت مضى، ليس فقط من الناحية التقنية بل من زاوية التوازنات الجيوسياسية. ومع أن الكابلات البحرية في الظاهر مجرد بنية تحتية تقنية مدفونة في قاع البحر، فإن القرارات المتصلة بها تتجاوز المجال التقني لتتحول إلى ورقة تفاوض ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية واسعة. وعندما تربط دولة عبور هذه الكابلات أو صيانتها برسوم وحسابات سياسية، فإنها تدفع الثمن إلى مستخدمين لا علاقة لهم بالنزاعات، من شركات ومؤسسات وأفراد في دول بعيدة عن الخليج.
المفارقة أن الحكومة التي تبني سمعتها على قطع الإنترنت عن مواطنيها في الداخل خلال موجات الاحتجاج، لا تجد حرجاً في نقل هذا المنطق إلى مستوى عابر للحدود. فمن خلال فرض قيود على أعمال الصيانة وتقييد حركة سفن الإصلاح، يتسع نطاق التحكم من الفضاء الإلكتروني المحلي إلى البنية التحتية الدولية نفسها. هذا النهج يعمق صورة سلطة ترى في الاتصال أداة ضبط أكثر منه حقاً عاماً أو خدمة أساسية. وإذا كانت عمليات الحجب الداخلية تحرم المحتجين من وسائل التواصل والتنظيم، فإن الضغط على الكابلات البحرية يهدد بنقل الاضطراب إلى بنوك وشركات وخدمات سحابية تعتمد على اتصال مستقر وسريع عبر هذه المسارات.
إزاء هذه التطورات، يبدو أن الشركات العالمية المشغّلة للكابلات وشركات التكنولوجيا الكبرى تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما القبول بشروط و«رسوم» تفتح باب الابتزاز مستقبلاً، أو المخاطرة بتأخير الإصلاح وتقويض موثوقية شبكاتها في واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية. هذا النوع من القرارات لا يُقاس فقط بكلفة مالية إضافية، بل بتكريس سابقة تسمح لسلطات ساحلية بتحويل كل عطل تقني في الكابلات إلى فرصة سياسية أو مالية. وإذا تم قبول منطق الرسوم والموافقات السياسية على أعمال صيانة يفترض أن تكون تقنية بحتة، فقد تسعى دول أخرى إلى استنساخ النموذج نفسه، ما يهدد بتحويل مسارات الكابلات إلى ساحات ضغط متبادل.
البعد الأخطر في هذا المسار يتمثل في تآكل مبدأ حيادية البنية التحتية العالمية. فمنذ عقود، تشكل الكابلات البحرية جزءاً من شبكة دولية تقوم على تفاهم ضمني بأن ضمان استمرار تدفق البيانات يخدم الجميع، بغض النظر عن التوترات السياسية. عندما تصبح عقبة واحدة في مسار الكابلات مرتبطة بإرادة سلطة تسعى إلى فرض «تسعيرة» على العبور والصيانة، يتحول هذا الأساس إلى حالة من اللايقين الدائم. أي عطل عارض، كان يُنظر إليه سابقاً كمسألة تقنية تحتاج إلى أيام أو أسابيع للإصلاح، يمكن أن يتحول إلى أزمة أطول عمراً إذا رُبط بإجراءات ترخيص ومساومات وشروط متغيرة.
كما أن إضعاف ثقة الشركات في استقرار مسارات الكابلات عبر الخليج يدفعها إلى البحث عن طرق التفافية بديلة، سواء عبر مسارات برية أطول أو مشاريع بحرية أكثر كلفة تمر عبر مناطق أخرى. هذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه على المدى المتوسط يمكن أن يترك أثراً ملموساً على موقع الخليج في خريطة الإنترنت العالمية. بدلاً من أن يكون ممراً طبيعياً للبنية التحتية الرقمية بين الشرق والغرب، قد يتحول إلى منطقة يفضل المستثمرون تجنبها كلما أمكن، خشية القيود والتنظيمات غير المتوقعة. النتيجة المحتملة هي خسارة اقتصادية واستراتيجية لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد إلى مجمل المنطقة التي تستفيد من كونها عقدة اتصال عالمية.
في الخلفية، يطرح هذا الملف سؤالاً أوسع حول حدود استخدام البنية التحتية المدنية في الصراعات وعمليات ليّ الذراع. اليوم، أصبح واضحاً أن الطاقة والموارد الطبيعية والممرات البحرية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط في النزاعات، والآن تلتحق الكابلات البحرية، ومعها الإنترنت والخدمات السحابية، بهذه القائمة. عندما يترسخ هذا المنطق، تصبح البيانات نفسها جزءاً من موازين القوى، ويصبح الحفاظ على انسيابها مرهوناً بحسابات سياسية وأمنية متشابكة. في عالم يعتمد اقتصاده الرقمي على زمن استجابة يقاس بالملّي ثانية، فإن إبطاء عملية إصلاح كابل واحد أو تعطيل سفينة صيانة يمكن أن ينعكس على ملايين المستخدمين حول العالم.
إن تحويل كابلات الإنترنت في الخليج إلى ورقة مساومة، أياً كانت الذرائع القانونية أو الاقتصادية المقدمة، يعكس رؤية تعتبر البنية التحتية العالمية امتداداً لمجال النفوذ السياسي والأمني. هذا الخيار يترك أثره على صورة الدولة المعنية كشريك موثوق في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويغذي في المقابل ميلاً متزايداً لدى الشركات والدول إلى إعادة رسم خرائط الكابلات بعيداً عن نقاط الاشتعال. وإذا استمر هذا النهج، فإن الخسارة لن تقاس فقط بما يُجبى من «رسوم حماية» أو ما يُمنع من أعمال صيانة، بل بما يتأكل من ثقة في استقرار البيئة الرقمية في منطقة يفترض أن تكون جسراً بين القارات لا حاجزاً أمام تدفق البيانات.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96663479/iran-kabal...

معركة الفرز بين الإنسان والروبوت تكشف مستقبل العمل
