شهدت ساحة ترافلغير في قلب لندن إفطارًا رمضانيًا عامًا شارك فيه آلاف الصائمين وغير الصائمين، في فعالية وصفها القائمون عليها بأنها من أكبر موائد الإفطار المفتوحة في العالم الغربي، ونظمتها مبادرة "رمضان تنت بروجيكت" التي تشرف على سلسلة إفطارات مفتوحة في عدد من المعالم البارزة داخل بريطانيا، بمشاركة متطوعين وجهات خيرية ومجتمعية متعددة، وبحضور عمدة لندن صادق خان الذي دأب على رعاية هذه التظاهرة الرمضانية منذ سنوات.
توافد المشاركون إلى الساحة عبر دعوات انتشرت بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب منشورات ورقية وزعت في شوارع لندن ومساجدها ومراكزها الإسلامية، حيث يزيد عدد المساجد في العاصمة على خمسمائة مسجد، ما يعكس شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والاجتماعية التي تتفاعل مع محيطها المحلي وتستثمر شهر رمضان لإبراز حضور المسلمين ضمن النسيج الحضري للمدينة. واحتضنت فعالية الإفطار هذه السنة نحو ثلاثة آلاف مشارك بحسب تقديرات المنظمين، جاؤوا من خلفيات دينية وثقافية مختلفة استجابة لفكرة مشاركة وجبة الإفطار في فضاء عام مفتوح للجميع.
بدأ البرنامج بتلاوة من القرآن الكريم قدّمها قارئ شاب أمام الحاضرين، تلتها كلمات لممثلين عن المجتمع المسلم في لندن تناولت مشاركة المسلمين في مختلف مجالات الحياة العامة، من العمل الخيري إلى العمل البلدي والبرلماني والقطاعين الاقتصادي والثقافي، مع الحرص على إبراز أن المسلمين في بريطانيا جزء من بنية المدينة لا ضيوفًا عابرين، وأن حضورهم يمتد من الأحياء السكنية الشعبية إلى مراكز المال والأعمال والجامعات. وتوقفت بعض المداخلات عند دلالة إقامة الإفطار في ساحة ترافلغير تحديدًا بوصفها رمزًا للحياة السياسية والثقافية في العاصمة البريطانية، بما يمنح الحدث بعدًا رمزيًا يتجاوز كونه تجمعًا دينيًا إلى مساحة تفاعل مدني مفتوح.
صادق خان، أول عمدة مسلم لمدينة لندن منذ انتخابه عام 2016، حضر إلى الساحة متحدثًا بصفته مسؤولًا منتخبًا وابنًا لعائلة مهاجرة من أصول باكستانية، مستعيدًا مساره المهني منذ عمله محاميًا في قضايا حقوق الإنسان منتصف التسعينيات، ثم دخوله العمل البلدي والبرلماني قبل أن يتولى حقائب وزارية في حكومات حزب العمال، وصولًا إلى فوزه التاريخي بولاية ثالثة في منصب العمدة عام 2024 بعد تفوقه على مرشحة حزب المحافظين سوزان هول بفارق مريح في عدد الأصوات. وقدّم خان الإفطار في هذا الحدث بوصفه مناسبة تؤكد أن العاصمة البريطانية تستوعب تعبيرات دينية وثقافية متعددة في فضائها العام، وأن الهوية اللندنية الحديثة باتت نتاج تفاعل مستمر بين مكونات متنوعة.
لم يغب البعد المتعلق بالنقاشات السياسية والإعلامية حول صورة المسلمين في الغرب عن أجواء المناسبة، إذ استعاد الحاضرون سجالات قديمة بين خان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قضايا الهجرة والأمن، في وقت شدد فيه عمدة لندن أمام المشاركين على صعوبة أن يكون الإنسان مسلمًا في عام 2026 بسبب تصاعد الخطاب المعادي في بعض المنصات، مع التأكيد في المقابل على قدرة الفضاءات المفتوحة مثل ساحة ترافلغير على تقديم صورة مختلفة تقوم على اللقاء المباشر بدل الأحكام المسبقة. وفي هذا السياق ركزت مداخلته على مفهوم "القوة في أن تكون مسلمًا" من زاوية الثقة بالنفس والمشاركة الإيجابية في المجتمع، لا من زاوية الانغلاق أو الانعزال، مستشهدًا بتنوع الحاضرين من مسلمين ومسيحيين ويهود وهندوس وسيخ وغير متدينين جلسوا في صف واحد بانتظار أذان المغرب.
عند حلول وقت الأذان، عمّ السكون الساحة لبضع دقائق بينما رفع المؤذن النداء إلى الصلاة أمام لوحة معمارية تشكلها المباني التاريخية المحيطة، ثم توزعت على المشاركين وجبات جاهزة أعدها متطوعون بالتعاون مع مطاعم شرق أوسطية، تضمنت أطعمة مستوحاة من المطبخ اللبناني مثل السندويشات والتمر ومنتجات الألبان، في محاولة لمنح الحضور تجربة متكاملة على مستوى الطقس الديني والبعد الثقافي للغذاء في شهر رمضان. وتزامن تناول الإفطار مع استمرار الأحاديث الجانبية بين الحاضرين حول معنى أن تجتمع ديانات وثقافات مختلفة على مائدة واحدة في الفضاء العام، ومع حرص المنظمين على تعريف الزوار غير المسلمين بطبيعة الصيام وطقوسه اليومية وأسئلته الروحية.
بعد انتهاء توزيع الوجبات استمر عدد من المشاركين في الساحة لأداء صلاة جماعية، بينما غادر آخرون عائدين إلى أحيائهم حاملين معهم الانطباع بأن هذا النوع من الفعاليات يمثّل أداة عملية لتعزيز التفاهم المتبادل داخل مدينة كبرى ذات تنوع سكاني واسع مثل لندن، تلتقي فيها توترات النقاش العام مع مبادرات مجتمعية تسعى إلى تخفيف حدة الاستقطاب عبر مساحات تواصل مباشرة ومفتوحة للجميع. وفي المحصلة ظهر الإفطار المفتوح في ساحة ترافلغير كصورة مكثفة عن مدينة تحاول إعادة تعريف علاقتها بأقلياتها الدينية والثقافية من خلال الممارسة اليومية في الشارع والساحات، لا من خلال الخطاب النظري فحسب.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95407970/aftar-rmdan...


