في نهاية أبريل الماضي، أقام الملك مسواتي الثالث، آخر عاهل مطلق في أفريقيا جنوب الصحراء، احتفالية فخمة بمناسبة مرور أربعين عامًا على توليه العرش، استضافها فندق «إزولويني بالاتزو» الفاخر حديث الافتتاح. حضر الحفل رؤساء دول حاليون وسابقون من دول الجوار، فيما تمكّن الرئيس التايواني من الوصول سرًا على متن الطائرة الخاصة للعاهل، على نفقة دافعي الضرائب، بعد أن حالت الضغوط الصينية دون حضوره العلني. وبينما حرصت مؤسسات الدولة على تصوير المناسبة كإنجاز وطني، يطرح مراقبون سؤالًا أكثر جدية: هل تحسّنت حياة الإسواتينيين العاديين منذ اعتلائه العرش عام 1986؟
اقتصاديًا، يعيش إسواتيني على وجهين متناقضين: نخبة صغيرة من رجال الأعمال والسياسيين المقرّبين من الملك تستحوذ على معظم ثروة البلاد، بينما يعيش أكثر من 60 بالمئة من السكان تحت خط الفقر. في صميم هذا الخلل يقف صندوق «تيبيو تاكا نجواني»، وهو صندوق سيادي أسسه الملك الراحل سوبوزا الثاني عام 1968 لتمويل شبكة حماية اجتماعية حقيقية، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى أداة تعمل خارج أي رقابة برلمانية ومعفاة من الضرائب، ولا يستفيد منها عامة المواطنين بل حلقة ضيقة من النخبة الحاكمة. القطاعات الاستراتيجية، من زراعة قصب السكر إلى البناء والإعلام والاتصالات، تخضع بدورها لسيطرة شبه كاملة من الدائرة المقرّبة من العرش.
تظهر هذه الهيمنة بوضوح في إقليم لوبومبو شرقي البلاد، معقل صناعة السكر ومحرك التجارة الخارجية، حيث لا يستفيد صغار الفلاحين من عائدات ما يُعرف بـ«ذهب الإسواتينيين». ويعود ذلك جزئيًا إلى نظام عقاري مزدوج ورثته البلاد عن الحقبة الاستعمارية ولم يُصلح جديًا: أراضٍ خاصة مخصصة للإنتاج التجاري الكبير، مقابل «أراضي الأمة السوازية» التي يمارس عليها معظم السكان زراعة كفاف تحت إشراف الزعماء المحليين، دون سندات ملكية أو ضمانات. ورغم توصيات صندوق النقد الدولي المتكررة بإصلاح عقاري، تمتنع الحكومة عن ذلك لأن هذا النظام يمنح الملك أداة سيطرة سياسية عبر الزعماء المحليين، فضلًا عن كونه مصدر دخل. أما النقابات، الجهة الوحيدة القادرة نظريًا على الدفاع عن العمال، فتواجه مضايقات مستمرة ورسومًا باهظة للحصول على وضعها القانوني والحفاظ عليه، ويُلاحق قادتها بموجب تشريعات فضفاضة لمكافحة الإرهاب.
لم يسلم قطاع التعليم من التراجع؛ فجامعة إسواتيني، التي تخرّج فيها في السابق بعض أبرز الشخصيات في جنوب أفريقيا، لا تتلقى من الحكومة سوى ثلث التمويل اللازم لتسيير شؤون نحو 7000 طالب. ومنذ الأزمة المالية لعام 2008، خُفّضت المنح الطلابية بشكل حاد، وحين تتأخر الحكومة عن صرفها، كما يحدث مرارًا، يجد الطلاب أنفسهم عاجزين عن تغطية نفقاتهم الأساسية، ما يفجّر احتجاجات تقابلها السلطات عادة بالقمع بدل الحوار. فمنذ أربعة عقود، يتعرض قادة اتحاد الطلاب لاعتقالات متكررة بتهم الإرهاب والتمرد، وآخر الأمثلة طالب يبلغ من العمر 26 عامًا يقبع رهن الاحتجاز التعسفي دون محاكمة منذ أكثر من عامين.
القطاع الصحي يعاني بدوره من إهمال إداري ونقص مزمن في الأدوية الأساسية. ففي عام 2024، كشفت واقعة إيقاف مسؤولة كبرى في «سوازي فارم»، المورّد الرئيسي للحكومة، أنها كانت الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار تراخيص استيراد الأدوية الخاضعة للرقابة. وبقي المنصب شاغرًا نحو عشرة أشهر، من فبراير إلى نوفمبر 2024، دون أي مسؤول لاعتماد استيراد مسكنات الألم وأدوية الصرع والاضطرابات النفسية، ما ترك المرضى دون علاج. وفي موازاة ذلك، يتخبط برنامج «سوازي ميد»، أكبر مظلة تأمين صحي في البلاد، في أزمة تمويل، بينما لا يستطيع الوصول إلى الرعاية الخاصة الجيدة سوى من يملكون دخلًا ثابتًا أو تأمينًا صحيًا.
سياسيًا، يعود غياب التعددية إلى عام 1973، حين علّق الملك سوبوزا الثاني دستور الاستقلال وحظر الأحزاب بمرسوم لم يُلغَ بعد. ويقوم نظام «التينكوندلا» على ترشّح الأفراد دون انتماء حزبي، فيما يحتفظ الملك بصلاحية تعيين رئيس الوزراء والحكومة وجزء كبير من غرفتي البرلمان، في ما يوصف بأنه استبداد متنكر في ثوب ديمقراطي. وقد دفع معارضون هذا الثمن غاليًا: فقد اعتُقل الناشط ماريو ماسوكو، أحد أبرز قادة المعارضة الراحلين، أكثر من مرة بتهم التمرد والإرهاب، بينما اغتيل المحامي الحقوقي ثولاني ماسيكو داخل منزله أمام أسرته في يناير 2023 دون أن يُقدَّم مرتكبو الجريمة إلى العدالة. وفي 2024، أقرّت المحكمة العليا دستورية قانون موروث عن الحقبة الاستعمارية يجرّم التحريض على «عدم الاكتراث» بالملكية، فيما حُكم على نواب مؤيدين للديمقراطية بالسجن لعقود طويلة بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب ذاتها.
تنعكس هذه الصورة على واقع حقوق الإنسان عمومًا: سجون مكتظة وسيئة التجهيز، إعلام مرئي ومسموع بالكامل في يد الدولة، وصحفيون مستقلون يعيشون تحت طائلة الملاحقة الدائمة. ورغم أن الدستور يفرض حدًا أدنى بنسبة 30 بالمئة لتمثيل النساء في البرلمان، يبقى الرقم شكليًا في ظل قانون عرفي لا يزال يقيّد حقهن في الملكية. أما منظمات المجتمع المدني التي تسائل الدولة بشأن الديمقراطية أو حقوق العمال أو الأقليات، فتصطدم بعراقيل إدارية ومراقبة مستمرة؛ وقد رفضت الحكومة تسجيل جمعية معنية بحقوق الأقليات الجنسية والجندرية، في سياق عام معادٍ لهذه الفئات وصفها الملك علنًا بـ«الزنادقة».
في المحصلة، لا تبدو حصيلة أربعين عامًا من الحكم مدعاة للاحتفال كما تحاول أجهزة الدولة الإيحاء به: فالملايين التي أُنفقت على احتفالات اليوبيل كان يمكن أن تموّل منح الطلاب أو أدوية المرضى أو إصلاح العدالة. ورغم ذلك، يواصل الإسواتينيون إظهار قدرة لافتة على الصمود والإبداع والتضامن وسط ظروف بالغة الصعوبة. هذا التقرير مستند إلى تحليل نشرته منذ أسابيع منصة Minority Africa بقلم الناشط الحقوقي ميلوسي سيميلاني، عضو هيئة تحريرها.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...