Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

إسلام بين الدولة والدنيا: كواليس الجدل حول دليل “مسلمون في الغرب”


Rédigé le السبت 14 فبراير 2026 à 16:10 | Lu 0 commentaire(s)



أثارت مقابلة أجرتها صحيفة فرنسية مع الباحثة في الإسلاميات ماري تيريز أورفوا نقاشاً حاداً حول دليل جديد ضخم أصدرته Grande Mosquée de Paris بعنوان “Musulmans en Occident”، يمتد على أكثر من 900 صفحة ويُقدَّم كـ“دليل عملي” للمسلمين في المجتمعات الغربية العلمانية. ويضم هذا العمل مئتي مفهوم وموضوع، من قبيل الصوم في بيئة العمل، الرياضة، الحجاب، الزواج، الردة، الجهاد، حرية التعبير، والحق في التجديف، إضافة إلى “ميثاق باريس حول الإسلام والمواطنة” ومعجم يهدف إلى توضيح المصطلحات الدينية المثيرة للجدل في الفضاء العام.



أورفوا قدّمت قراءة نقدية لهذا الدليل انطلقت من فكرة أن الإسلام، كما يعرّف ذاته تاريخياً، لا يُختزل في كونه ديناً شعائرياً، بل يجمع بين “الدين والدولة” و“الدين والدنيا”، أي إنه يحمل في بنيته مشروعاً سياسياً ومجتمعياً منظَّماً، يستند إلى القرآن والحديث والفقه بوصفها مرجعيات تشريعية شاملة. وربطت الباحثة الدليل الجديد بسلسلة نصوص سابقة حاولت تأطير حضور الإسلام في أوروبا، وعلى رأسها “الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان” الصادر في 1981، والذي أعاد صياغة مفاهيم حقوق الإنسان من خلال “فلتر” النصوص الإسلامية، ثم بروز فقه المعاملات والمالية الإسلامية، قبل الوصول اليوم إلى محاولة تأطير أدقّ للحياة اليومية للمسلمين في الغرب عبر هذا العمل الموسوعي.

في خلفية هذا التشخيص، تؤكد أورفوا أن البنية العقدية للإسلام – كما تقرؤها – تقوم على ثنائيات حادة: المؤمن والكافر، دار الإسلام ودار الحرب، الجنة والنار، الرجل الحر والعبد، الرجل والمرأة، وتعتبر أن هذه الثنائيات تعكس ما تصفه بـ“صرامة عقائدية” لا تميل إلى التنازل في مسائل الإيمان والمرجعية الإلهية. لكنها في المقابل تشير إلى أن التجربة التاريخية للفقه الإسلامي طوّرت، في مستوى الممارسة، قدراً واسعاً من المرونة عبر آليات مثل الاستصلاح (الاستصلاح أو المصلحة العامة) والاستحسان (ترجيح ما يُرى أنه الأصلح)، والتي تسمح بإدماج عناصر وافدة من خارج البيئة الإسلامية ما دامت لا تصطدم بالعقيدة، وإعادة تأويلها بوصفها منسجمة مع مقاصد الشريعة ومصلحة الجماعة.

في هذا السياق، تستحضر الباحثة مثال كتابات دعاة معاصرين سعوا، بحسبها، إلى “أسلمة الحداثة” بدل الدخول في مسار “تحديث الإسلام”، وترى أن الدليل الجديد يدخل في هذا المنطق نفسه: كل ما يمكن تأويله باعتباره “مفيداً للإسلام” يصبح قابلاً للدمج وإعادة الصياغة ضمن الإطار الشرعي، ومن هنا يأتي هذا الجهد الجماعي لتقديم أجوبة مفصّلة للمسلمين “في الغرب” حول مختلف تفاصيل الحياة الشخصية والمهنية والمدنية.

أورفوا تذهب أبعد من ذلك عندما تصف علاقة الإسلام بالعالم الخارجي بأنها مشروطة باعتراف كامل “بقيمه الأساسية”، معتبرة أن الانفتاح لا يتحقق إلا حين يقبل المحيط المرجعية الإسلامية بشروطها، وإلا فإن رد الفعل يكون الانغلاق والتشدّد في الهوية، مع استحضارها لآيات قرآنية تتحدث عن “ظهور” الدين على سائر الأديان ووراثة المؤمنين للأرض. في نظرها، هذا الأفق الاسكاتولوجي (وعد الانتصار النهائي) يغذّي جزءاً من المخيال الجماعي للمؤمنين، حتى عندما يتخذ الخطاب العملي شكل التكيّف مع القوانين الوضعية وأنماط العيش الحديثة.

أحد المحاور الأكثر حساسية في الجدل الدائر حول الدليل يتعلق بمفهوم “التقية”، الذي خصّه الكتاب بفقرة اعتبر فيها أن هذا المفهوم “أسيء فهمه أو تم تحريفه” عندما صُوّر كاستراتيجية عامة للخداع والخيانة تجاه بقية مكوّنات الأمة الوطنية. أورفوا تستعيد الجذور اللغوية والفقهية للمفهوم، فتشير إلى أن “التقية” ترتبط في الأصل بفكرة الاحتراز أو الحذر، وأنها تعني في الفقه جواز إخفاء الإيمان أو التصرف بخلاف ما يعتقده المرء تحت وطأة الإكراه والخطر، مع الإحالة إلى آية قرآنية تميّز بين من يُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وبين من يختار الارتداد عن قناعة.

إلى جانب “التقية”، تضع الباحثة مفهوم “الحيلة” أو “الحِيَل الفقهية” في قلب ما تعتبره “هندسة دقيقة” للعلاقة بين المسلم والسلطة، حيث تستُخدم هذه الأدوات – في قراءتها – لتخفيف عبء الأحكام مع الحفاظ على ولاء المؤمن للمنظومة الدينية والسياسية الإسلامية. وتشدد على أن الجمع بين “التقوى” بمعناها الروحي (خشية الله والورع) و“التقية” بمعناها القانوني (الترخيص في الإخفاء) قد يخلق في وعي بعض المؤمنين التباساً يجعل من التستّر أو المناورة سلوكاً مبرَّراً دينياً في ظروف معينة.

وعندما تُسأل عن مدى قدرة هذا الدليل على تجاوز ما يُطرح في فرنسا وأوروبا من أسئلة حول “صلابة” البنية الدينية وعدم وجود سلطة كنسية هرمية تشبه الفاتيكان، تذكّر أورفوا بأن الإسلام السني يفتقر إلى مجمع عقائدي موحّد، بخلاف التشيّع الذي يعرف طبقات واضحة من المرجعيات، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن غياب “المغناطيس المؤسسي” لم يمنع، في رأيها، استمرار تمسّك الإسلام في الغرب بمنظومته العقدية الأساسية دون تنازل، بما في ذلك في بيئات شديدة العلمنة مثل فرنسا. وتصف نظرة كثير من المسلمين إلى أنفسهم باعتبارهم “حراساً” لشريعة إلهية لا يجوز أن تُخضع – من منظورهم – بشكل كامل لسلطة تشريعات بشرية متغيّرة.

في الجهة المقابلة، يطرح القائمون على الدليل صورة مغايرة للهدف من العمل، إذ يصفه مسؤولو Grande Mosquée de Paris بأنه محاولة لـ“التوفيق” بين ممارسة الإسلام ومبادئ laïcité، ويقدّمونه كفرصة لشرح الإسلام للجمهورية وشرح الجمهورية للمسلمين في آن واحد، مع التأكيد على أن المشاركة في الحياة المدنية واحترام القوانين ليست نقيضاً للإيمان بل امتداد له. ويتضمن النص مواقف صريحة تُدين معاداة السامية، وتؤكّد أولوية الزواج المدني في بلدان مثل فرنسا، وتعرض الحجاب بوصفه خياراً شخصياً لا إكراه فيه، وتتعامل مع قضايا مثل الردة عبر الدعوة إلى الحوار بدل العقوبات، وفق ما ورد في تقارير صحفية حول محتوى الكتاب.

هذا التباين بين القراءة النقدية التي ترى في الدليل حلقة في مسار “تأطير سياسي‑فقهي” لحضور الإسلام في الغرب، وبين الخطاب المؤسسي الذي يصرّ على نزع الطابع الصدامي وتغليب لغة المواطنة والتعايش، يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول من يمثّل “الإسلام الرسمي” في فرنسا، وكيف تُصاغ المرجعيات الدينية في مواجهة تحديات الراديكالية من جهة، وضغوط الاندماج في منظومة قيم علمانية من جهة أخرى. كما يطرح أسئلة على المدى البعيد عن تأثير مثل هذه الأدلة المرجعية على أجيال جديدة من المسلمين في أوروبا: هل ستُقرأ بوصفها أدوات للتأقلم والتعايش، أم كوسيلة لإعادة تأكيد الحدود الهويّاتية وترسيم خط فاصل بين “إيمان لا يتنازل” و“مجتمع يطالب بالعلمنة الشاملة”؟




المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/94381844/aslam-byn...



Rss
Mobile