يرى إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لغوغل، أن إيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم على المستوى العالمي فكرة غير قابلة للتطبيق سياسياً وتقنياً، فالحوافز الاقتصادية والجيوسياسية للاستمرار أقوى من أن تُكبح، ومراقبة أي اتفاق للتجميد ستكون بالغة الصعوبة. وقد عبّر عن ذلك في حوار مع زاني مينتون بيدوز، رئيسة تحرير مجلة «ذي إيكونوميست»، لخّصه عنوانه في سؤال واحد: كيف يمكن التحقق من التزام الجميع؟
ثلاث حجج رئيسية
لا حافز للتباطؤ: يقول شميدت إن منظومة الحوافز في أمريكا كلها تدفع نحو المضي قدماً لا نحو التوقف، فالمنافسة بين المختبرات والمستثمرين والسوق، إضافة إلى الاعتبارات الاستراتيجية، تجعل التمهّل خياراً غير مطروح. خطر الغش: أي تجميد يفتح الباب أمام منافس، محلي أو دولي، يخرق القواعد ويكسب أفضلية على الآخرين، وهو ما يجعل فكرة هدنة متبادلة في سباق الذكاء الاصطناعي هشة من أساسها. السباق مع الصين: يرى أن العالم أمام سباق عميق بين المقاربتين الأمريكية والصينية، ويضرب مثلاً بسؤال بسيط: هل نفضّل أن تكون حياتنا اليومية بوساطة نموذج أمريكي أم صيني؟غير أن اعتراضه لا يقتصر على المنافسة مع بكين. فجوهر موقفه أن أي اتفاق لا قيمة له ما لم يكن قابلاً للتحقق، وأن التحقق من تعليق تدريب النماذج المتقدمة أو تطويرها أصعب بكثير مما عرفته أنظمة مراقبة التسلح التقليدية.
ما الذي يعنيه التحقق عملياً؟
من الصعب فعلاً على مفتشين دوليين التأكد من أن أي مختبر لا يدرّب نموذجاً متقدماً في الخفاء، خصوصاً داخل بنى تحتية خاصة أو عسكرية أو سرية. وسيتطلب الأمر تدقيقاً على الأقل في:
مجمّعات الحوسبة الكبرى واستهلاكها من الطاقة؛ شراء الرقائق ومسرّعات الحوسبة واستيرادها ونشرها؛ سجلات التدريب والحوسبة؛ النماذج وأوزانها ومجموعات البيانات وتقييماتها؛ قدرات الحوسبة لدى الجهات العسكرية والاستخباراتية؛ متعاقدي الحوسبة السحابية وسلاسل توريد الرقائق.لكن القول إن الشيفرة تولّدها الحواسيب فيستحيل فحصها اختصار مبالغ فيه. فالمدققون لن يحتاجوا بالضرورة إلى قراءة كل سطر برمجي، بل إلى أدلة تقنية وتنظيمية: سجلات التشغيل، وأحجام الحوسبة المستهلكة، وسجلات العتاد، ومصدر الأوزان، وإجراءات الأمن السيبراني، والوصول إلى مراكز البيانات، ونتائج التقييم. فالمشكلة الحقيقية ليست أن الشيفرة غير مقروءة بشرياً، بل أن أي نظام رقابة سيحتاج إلى وصول اقتحامي إلى أصول صناعية وتجارية وعسكرية من أكثر ما يُحرص على حمايته في العالم، وهو ما سيسعى كل من واشنطن وبكين والمختبرات نفسها إلى تقييده.
لماذا يختلف الذكاء الاصطناعي عن السلاح النووي؟
تقوم الرقابة النووية على أشياء نادرة ومادية نسبياً: مواد انشطارية وأجهزة طرد مركزي ومفاعلات وصواريخ ومواقع معلنة. أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على موارد أكثر تشتتاً:
المورد الأساسي: مادة انشطارية ومنشآت مادية في النووي، مقابل حوسبة ورقائق وبيانات وكفاءات وبرمجيات في الذكاء الاصطناعي. سهولة الكشف: مواقع النووي متخصصة وغالباً قابلة للرصد، أما الحوسبة فقد تكون موزعة أو مخفية. الرقابة المادية: ممكنة على الرقائق ومراكز البيانات، لكنها أضعف بكثير على البرمجيات والأوزان. الصعوبة الجوهرية: إخفاء المنشآت والمواد في النووي، مقابل التمييز بين البحث والتدريب والنشر والقدرات الفعلية في الذكاء الاصطناعي. خطر الانتشار: النووي مكلف جداً ويكاد يقتصر على الدول، أما النماذج والأوزان والأساليب فقد تنتقل أسرع بكثير.البديل الذي يقترحه شميدت
لهذا يميل شميدت إلى إدارة المخاطر بالتوازي مع التطوير، بدل الدعوة إلى توقف شامل. فهو يرى أن الصواب هو ابتكار هذا المستقبل مع ابتكار حلول للمشكلات التي يخلقها، ويشير إلى مؤشرات على إمكان الاستعانة بنموذج أقدم بنحو أربعة أشهر للإشراف على نموذج جديد، مع الإقرار بأن صحة ذلك على نطاق واسع لم تثبت بعد.
ولا يرفض التعاون كلياً، إذ يقول إن الجميع يؤمن بضرورة مجموعة من المعاهدات، أولها معاهدة قائمة على مبدأ «لا مفاجآت»، ويضرب لذلك مثلاً بوكيل آلي يفلت بالخطأ من بيئة اختباره فيطلق ردّاً نووياً تلقائياً. ويأتي الأمن السيبراني ثانياً في أولوياته، مع ملاحظته أن أياً من الطرفين لم يقبل تقييد قدراته الهجومية أو الدفاعية فيه، وأن الاتفاق على ما هو أكثر سيصعب من دون ذلك.
وهذا النهج أكثر واقعية سياسياً من وقف شامل، لكنه أقل طموحاً: فهدفه الحد من سوء الفهم والتصعيد، لا إيقاف تصاعد قدرات النماذج.
زاوية نقدية
يعكس طرح شميدت أيضاً إطار تفكير شائعاً لدى قادة التقنية والأمن القومي الأمريكيين: السباق واقع خارجي لا مفر منه، وما علينا إلا التكيّف معه. غير أن هذه الفرضية محل خلاف. فباحثون وفاعلون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي يقولون إن «السباق» تصنعه كذلك قرارات الشركات نفسها، من مواعيد الإطلاق والتمويل إلى التنافس على الكفاءات وخطاب التسويق، وإن التنسيق بين العدد المحدود من مختبرات الصف الأول ممكن. ويدافع بعضهم عن تدقيق مستقل دائم وواجبات إبلاغ وتراخيص للأنظمة الأقوى. وقد بلغ هذا النقاش أروقة مجلس الأمن الدولي، الذي استمع أخيراً إلى مديري مختبرات الذكاء الاصطناعي حول مخاطر فقدان السيطرة، في وقت تتحدث فيه تقارير عن بحث كبرى الشركات إنشاء هيئة رقابة مشتركة.
النقاش لا يدور حول «التوقف أو التسارع» فحسب، بل حول ما يمكن ضبطه، ومن يضبطه، وبأي مستوى من الوصول، وبأي عقوبات إذا فشل التعاون.
وبالنسبة إلى متابعي هذا الملف، تكشف هذه المحطة عن تحوّل في طبيعة النقاش: ننتقل تدريجياً من دعوات مجرّدة إلى «التباطؤ» نحو حوكمة البنى التحتية، أي الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة وأوزان النماذج والتدقيق والتعاون الأمريكي الصيني. وهو تحوّل لا يلغي الجدل بين من يحذّر من سيناريوهات الفناء ومن يرفضها، لكنه ينقل السؤال من «هل نتوقف؟» إلى «ماذا نستطيع أن نراقب فعلاً؟».
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98257072/eric-schmi...