تطرح دراسة منشورة على موقع "سايكولوجي توداي" مقاربة مختلفة لمسألة تآكل الصداقات في مرحلة البلوغ، إذ تنقل التركيز من أفكار شائعة مثل اختلاف الاهتمامات أو ضغط الحياة المهنية إلى عامل واحد يوصف بأنه العادة الأكثر تدميراً: غياب التبادلية في العطاء والأخذ داخل العلاقة. يتتبع المقال، الذي يندرج ضمن مدونة "الغرائز الاجتماعية" للباحث النفسي مارك ترافِرز، كيف تتحول الصداقة تدريجياً إلى عبء نفسي عندما يميل ميزان المبادرة والاستماع والدعم باستمرار إلى كفّة شخص واحد، حتى وإن بدا التواصل ظاهرياً متوازناً من حيث عدد اللقاءات أو الرسائل أو مكالمات الفيديو. يقدّم النص مثالاً لصديق يلجأ إلى الآخر بعد يوم صعب، فيحصل على إنصات طويل وتعاطف واسع، لكنه عندما يتلقى في المقابل طلب مساعدة من الطرف نفسه يرد بجملة تعاطف مقتضبة قبل أن يعيد توجيه الحديث نحو مشاكله الخاصة، فيصبح وجوده حاضراً فقط عند الحاجة إلى الدعم، وغائباً عندما يحتاج الآخر إلى المساحة نفسها من الاهتمام.
وفق هذا المنظور، لا تكمن المشكلة في غياب التفاعل بالكامل، بل في نمط من التفاعلات "ذات المحصلة الصفرية"، حيث توجد محادثات متكررة لكنها تنتهي دائماً بربح معنوي لطرف واحد وخسارة عاطفية للطرف الآخر. يستشهد الكاتب بدراسة منشورة عام 2009 استخدمت بيانات "الدراسة الوطنية الطولية لصحة المراهقين" في الولايات المتحدة، وخلصت إلى أن الصداقات المتبادلة تشكل أحد أهم مؤشرات الدعم الاجتماعي، ليس فقط من حيث الإحساس بالانتماء المدرسي بل أيضاً من حيث انعكاس هذا الانتماء على الأداء الدراسي. تبيّن الدراسة أن عدد الأصدقاء أو كثافة التواصل لا يكفيان لقياس جودة العلاقات، بل إن معيارها الأعمق يتمثل في توازن المنفعة العاطفية بين الطرفين. من هذا المنطلق، تفسَّر حالة الإرهاق غير المبرَّر التي قد ترافق بعض الصداقات القائمة منذ سنوات: فالجسد يستجيب مبكراً للشعور بأن كل لقاء يتحول إلى "اختبار ضغط"، حيث يغادر الشخص الجلسة مثقلاً أكثر مما دخلها، قبل أن ينجح العقل في صياغة تفسير واعٍ لهذا النفور المتراكم. ومع مرور الوقت، تنشأ مشاعر استياء مبهَمة يرافقها شعور بالذنب، لأن شيئاً فاضحاً لا يبدو خاطئاً في السطح، بينما تكمن المشكلة في أن العلاقة تكلّف صاحبها طاقة نفسية أكبر مما تعود عليه من دعم وارتياح.
يذهب المقال أبعد من ميزان العطاء والأخذ ليضيء على جانب آخر يصفه بـ"هيمنة حدود طرف واحد على حساب حدود الآخر". في السنوات الأخيرة، تحوّل مفهوم "الحدود النفسية" إلى خطاب واسع في أدبيات المساعدة الذاتية، وأصبح الحديث عن الحاجة إلى حماية الوقت والطاقة الشخصية مؤشراً يُفهم غالباً باعتباره علامة على وعي ذاتي ونضج عاطفي. غير أن النص يحذر من أن استخدام لغة الحدود لا يضمن بالضرورة علاقة آمنة، إذ يمكن لهذه الحدود ذاتها أن تصبح أداة لتشكيل علاقة غير متكافئة عندما تُطبَّق بشكل أحادي. يُستعار مثال لصديق يعلن بوضوح أنه يحتاج إلى مساحة خاصة حين يكون تحت الضغط، ويطلب من محيطه ألا يطالبه بالحديث قبل أن يكون مستعداً، فيلتزم الطرف الآخر بذلك احتراماً لحاجته. لكن حين يمر هذا الأخير بتجربة مشابهة ويقلّ تفاعله لفترة وجيزة، يتعامل الصديق نفسه مع الأمر على أنه إهمال شخصي أو علامة على فتور في العلاقة، متجاهلاً أن للشخص المقابل الحق في اللجوء إلى المساحة ذاتها التي يطالب هو بها لنفسه.
يظهر نمط قريب أيضاً في مثال آخر لصديق يعلن عن "حدود صارمة" تخص وقته الشخصي؛ فهو يعتذر مراراً عن اللقاءات بدعوى حاجته إلى الراحة أو العزلة، لكنه يفترض في المقابل أن الآخر متاح دائماً عندما يرغب هو في الحديث أو الخروج أو تفريغ توتره. هنا تصبح الحدود، بحسب المقال، جزءاً من منظومة غير متوازنة، إذ تُستخدم لحماية تجربة طرف واحد في الصداقة بينما تُهمَل احتياجات الطرف المقابل أو يُنظر إليها على أنها أقل شرعية. يستحضر الكاتب مساهمة بحثية منشورة عام 2008 في "مجلة الإساءة العاطفية" تعرّف مفهوم "انحلال الحدود" باعتباره فقداناً للتمايز النفسي بين الأفراد، أو نوعاً من التشوش في الأدوار داخل العلاقة، وتربطه بارتفاع كبير في احتمالات المعاناة العاطفية. تؤكد الدراسة أن المسألة لا تتعلق بوجود حدود في حد ذاتها، بل بمدى ملاءمتها للطرفين، إذ يُفترض بهذه الحدود أن تشكل بنية حماية متبادلة، تساعد كل شخص على الشعور بالأمان والاحترام، لا أن تتحول إلى مجموعة قواعد يُطلَب من طرف واحد الالتزام بها من دون مقابل.
ينصح المقال القارئ بمراقبة اللحظات التي تُستدعى فيها مفردات الحدود داخل الصداقة والانتباه إلى الجهة التي تستفيد فعلياً من تطبيقها؛ فإذا اعتُبرت حدود شخص ما "غير قابلة للنقاش"، بينما تُعامل حدود الآخر على أنها اقتراح مرن يمكن تجاوزه عند أول تعارض مع احتياجات الطرف الأول، فإن ما يحكم العلاقة لم يعد منظومة حدود، بل شبكة قواعد ضمنية يتحمل فيها شخص واحد عبء التكيف المستمر. في هذه الحالة، يتحول الصديق الذي يقدّم تنازلات متكررة بشأن وقته ومشاعره وأولوياته إلى موقع ثانوي داخل العلاقة، فيما يعتاد الطرف الآخر على أن تُلبّى احتياجاته من دون جهد مماثل. يخلص النص إلى أن العادة المدمّرة هنا ليست "الأنانية" بمعناها الأخلاقي المباشر بقدر ما هي استمرار نمط من عدم التبادلية لم يتم الاعتراف به أو ضبطه، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة التفكير في الصداقات الراسخة من زاوية البُعد البنيوي للعطاء والحدود وتوزيع الكلفة العاطفية بين الأشخاص.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97174075/a...