إدمان التمرين الرياضي: حين يتحول السعي للّياقة إلى قيد خفي


Rédigé le الثلاثاء 9 يونيو/جوان 2026 à 21:54 | Lu 0 commentaire(s)



يتناول مقال منشور في موقع مجلة Psyche مفهوم ما يُعرف بـ«إدمان التمرين»؛ أي اللحظة التي يتحول فيها السلوك الرياضي المحمود اجتماعيًا إلى نمط قهري يضغط على الجسد والنفس والعلاقات الاجتماعية في آن واحد. ينطلق النص من ملاحظة أن التكريم المتكرر لمن يداومون على الرياضة يوميًا يمكن أن يخفي وراءه معاناة صامتة لدى بعض الممارسين الذين يجدون أنفسهم غير قادرين على التوقف رغم الإرهاق والإصابات.



يُقدَّم هذا الاضطراب بوصفه سلوكًا يتطور تدريجيًا، يبدأ غالبًا بزيادة طفيفة في زمن الحصة التدريبية أو في شدتها، ثم يتحول شيئًا فشيئًا إلى روتين صارم يخدم وظيفة نفسية أساسية هي تنظيم الانفعالات والتخفيف من القلق والضغط اليومي. يشعر بعض الأشخاص، خصوصًا ممن لديهم قابلية للقلق أو يسعون إلى التحكم الصارم في تفاصيل حياتهم، بأن دقائق إضافية في الجري أو في رفع الأثقال تمنحهم ارتياحًا فوريًا، فيتم تثبيت هذا الرابط بين الجهد البدني وتهدئة المشاعر المضطربة. ومع مرور الوقت، يغدو التدريب أشبه بمرساة وجدانية تبقي اليوم متماسكًا، قبل أن يتحول إلى عبء ثقيل يفرض إيقاعه على باقي تفاصيل الحياة.

يشرح المقال أن الممارس الذي ينزلق إلى هذا النمط يشرع في إعادة ترتيب يومه بالكامل حول الجدول الرياضي، فيستيقظ قبل الفجر لتأمين حصة التدريب، ويشعر بانزعاج أو ذنب عند التفكير في تفويت تمرين واحد، وتتراجع فكرة اليوم المخصص للراحة من فسحة مستحقة إلى مصدر توتر داخلي. تصبح الحصة واجبًا لا يمكن العدول عنه، لا بحثًا عن المتعة أو الصحة بل لتجنب أعراض انسحابية نفسية من قبيل التوتر، واضطراب النوم، والانزعاج الحاد. هذه العلاقة القسرية مع الجهد البدني لا تبقى حبيسة الدائرة النفسية، بل تنعكس في صورة إصابات متكررة لا تجد وقتًا كافيًا للشفاء، وإرهاق مزمن لدى من يضاعفون عدد الجلسات، إلى جانب تضييق في المجال الاجتماعي مع تكرار الاعتذار عن اللقاءات والأنشطة التي تتعارض مع لحظة التدريب اليومية.

من زاوية بحثية، يستعرض المقال خلاصات دراسات تشير إلى أن من يوجدون في دائرة الخطر غالبًا ما يحملون سمات أو اضطرابات مرافقة؛ منها الارتباط الوثيق باضطرابات الأكل، أو نزعات قهرية وسواسية تجعل من بنية البرنامج التدريبي نمطًا مريحًا لما يوفره من قابلية للتوقع، إضافة إلى نزعة كمالية عالية تُفضّل الصرامة على المرونة. يلفت النص إلى أن هذا السلوك لا يُختزل في قوة إرادة مفرطة أو طموح رياضي زائد، بل يشبه أنماط الإدمان السلوكي الأخرى حيث تغلب الحاجة النفسية إلى الاستمرار على أي نية للتعديل أو التخفيف، كما يوضح ذلك الباحث أتيلا سابو وزملاؤه في تحليلاتهم. ومن هذا المنظور، يصبح الامتناع عن التدريب، ولو ليوم واحد، تهديدًا مباشرًا لصورة الذات عند الشخص، لا مجرد تعديل في الجدول الأسبوعي.

على مستوى العلاج، يوضح النص أن التعافي لا يعني القطيعة مع النشاط البدني أو الخروج من عالم الرياضة، بل إعادة صياغة العلاقة معه بحيث يكف عن كونه الأداة شبه الوحيدة لتنظيم المشاعر وتعريف الهوية الذاتية. يبرز هنا دور المعالج النفسي الذي يستعين بمفاهيم مثل «المرونة النفسية» المستمدة من العلاج بالقبول والالتزام، حيث يُطلب من الشخص ملاحظة أفكاره ومشاعره غير المريحة دون الاستجابة الفورية لها عبر حصة إضافية أو جهد مفرط. بدلاً من الانصياع التلقائي لصوت داخلي يصفه بالكسل إذا خفف من وتيرة التمرين، يتم تشجيعه على التوقف المؤقت، تسمية القلق أو الذنب، ثم اتخاذ قرار يراعي الصورة الأوسع لحياته وصحته وعلاقاته.

يستعرض المقال أيضًا دور ما يُسمى «التعاطف مع الذات» في تخفيف حدة الناقد الداخلي الذي يطالب دائمًا بالمزيد من الجهد والأرقام، وفق ما تقترحه المعالجة سويدلند التي ترى أن مساندة هؤلاء تتطلب مساعدتهم على رؤية هويتهم كأشخاص متعددين الأبعاد، لا رياضيين فقط. يساعد هذا التحول الإدراكي في توسيع نطاق التعريف الذاتي ليشمل أدوارًا وعلاقات واهتمامات أخرى، ما يخفف الضغط الواقع على التمرين بوصفه المصدر الأساسي للقيمة الشخصية.

عمليًا، يقترح المقال أن يرافق العلاج النفسي تجارب تدريجية تعيد رسم حدود العلاقة مع التمرين؛ مثل إدخال يوم راحة كامل، أو تقصير الحصة، أو التوقف عن تعويض الحصص الفائتة. هذه الخطوات تُختبر غالبًا بالتوازي مع العمل على تحمّل الانزعاج الذي يظهر عند تخفيف السيطرة؛ من قلق وتململ وشعور بالذنب، وذلك عبر تقنيات مساندة مثل تمارين التنفس، وأنشطة فنية، وممارسات يقظة ذهنية، بالإضافة إلى تقوية الروابط الاجتماعية والنشاطات التي تمنح إحساسًا بالمعنى خارج نطاق النادي الرياضي. في خلفية هذه المقاربة يقف هدف أوسع يتمثل في توسيع هامش المرونة في الحياة اليومية، بحيث لا ينهار الإحساس بالرفاه بمجرد غياب حصة تدريب واحدة، ولا تتقلص هوية الفرد إلى رقم المسافة المقطوعة أو الوزن المرفوع.

يعترف النص بأن المعرفة العلمية حول سبل التعافي لا تزال في طور التبلور، وأنه لا يوجد بروتوكول علاجي موحد لإدمان التمرين، وأن معظم ما هو متوفر مستمد من مجالات قريبة مثل اضطرابات الأكل وأنماط الإدمان السلوكي الأخرى. غير أن خبرات سريرية ودراسات أولية تشير إلى أن مداخل مثل العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج بالقبول والالتزام، والتدخلات التي تعالج الكمالية وتدني تقدير الذات تحمل وعودًا ملموسة، حتى وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التقييم المنهجي. من خلال هذه البرامج، يصبح من الممكن إعادة بناء علاقة أكثر اتزانًا مع النشاط البدني، حيث يعود الجري إلى كونه مصدرًا للمتعة وتطوير القدرات بدل أن يكون عقوبة ذاتية، ويغدو تمرين القوة فرصة للنمو الشخصي وليس فرضًا يوميًا لا يحتمل النقاش.

 يُصوَّر التعافي عبر مشاهد بسيطة لكنها دالة: تمرين فائت لا يجرّ نوبة ذعر، يوم راحة يُستقبل كفرصة لاستعادة الطاقة لا كخطر على الهوية، وحياة شخصية ومهنية تبدأ في الاتساع مجددًا بعد أن كانت تضيق حول برنامج التدريب اليومي. يعرض النص بذلك صورة عن هشاشة الخط الفاصل بين «الالتزام الصحي» و«النمط القهري»، ويقدم في الوقت نفسه إشارات عملية وعلاجية لمن يرغب في إعادة التفاوض مع علاقته بجسده وبالرياضة قبل أن يتحول السلوك المحمود إلى قيد مستدام.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96820496/-...


: في نفس القسم