يضع إتيان دو مونتيتي، مدير ملحق الكتب في «لو فيغارو ليترير»، سؤال الإيمان المعاصر في قلب روايته الجديدة «ثمة ضفّة أخرى». لا يتعامل النص مع الدين كزخرفة ثقافية، بل كاختبار حيّ لهوية شاب ووجهته الأخلاقية داخل عالم رقمي متسارع. العنوان يوحي بمفترق، والبطل يقف فعلاً بين ضفتين: مرجعية القرآن وتربية الأناجيل، طاعة القاعدة أو نداء المحبة.
Rahman، ابنٌ وحيد لأسرة جزائرية استقرت في فرنسا. انفصل والداه حين عاد الأب إلى التديّن وسعى إلى فرض ضوابطه، فبقيت الأم مع ابنها في الضواحي الباريسية وعاد الأب إلى الجزائر. يكبر الفتى في ثقافة الألعاب والشاشة، يدخل سوق العمل من باب شركة ناشئة ويستنزفه الإيقاع. عند وفاة والده، يسافر إلى الجزائر لحضور الجنازة. يكتشف بلداً مضيئاً بنبرة مختلفة عمّا عرفه في باريس؛ إيقاع اجتماعي تحكمه الممارسات الدينية وتنتظم فيه العلاقات وفق توقعات صارمة، فيما يقابله أيضاً نموذج مسيحي متواضع يجسّده طبيب يقدّم خدمة الناس من منطلق محبة المسيح. بين تحذير أقارب يطالبونه بألا يتكلم كـ«كافر» وإشراقة سلوك عملي متسامٍ، تتشرّخ بداهاته الأولى، وتدخل المسألة الدينية حياته على نحو لا رجعة فيه.
السرد محكوم بحركة داخلية أكثر من كونه مغامرة خارجية. حين يدرك Rahman أنه «محترق» مهنياً، ينفصل عن ضجيج الشبكات ويواجه أسئلة الإيمان والاختيار الشخصي: أي وطن يعنيه، وأي معنى يبحث عنه، وأي إله يريده؟ تبني الرواية هذا التحوّل بتركيب منطقي دقيق؛ كل تفصيل يومي يقود إلى تبعة، وكل كلمة تُحدث أثراً. هنا تظهر براعة دو مونتيتي في التقاط ملمس الحاضر: العمل عن بُعد، العيش الفردي مع مساعدات ذكية في المنزل، عادات لغوية شبابية، وشاشة تُغذّي الإدمان بقدر ما تعمّق العزلة.
تُكتب الرواية من منظور مسيحي واعٍ بنفسه لا يستعرض تفوّقاً أخلاقياً ولا يتهرّب من تعقيد الواقع. يراقب الكاتب عالماً يستنزف الشباب ويعزلهم، لكنه لا يسلّم بالتشاؤم. يرى إمكانية عودة إلى ما هو ملموس وإنساني واجتماعي، وإلى زخم روحي يجد مساره في الفعل اليومي لا في الشعارات. لذلك لا يبتعد النص عن الملفات الصعبة: العَلْمانية وحدودها، إرث الاستعمار، الإسلاموية وتبعاتها، الهجرة، الإرهاب، وانتهاكات الكنيسة. تُطرح هذه العقد داخل حياة أشخاص لا في عناوين، بما يسمح للخبرة أن تسبق الجدل.
في قلب كل ذلك سؤال واحد يتكرر على لسان البطل: كيف تكون مؤمناً صالحاً اليوم؟ الجواب ليس درساً نظرياً، بل لقاءات تشهد بالأفعال، وتحوّلٌ داخلي يختبر فيه Rahman معنى الطاعة ومعنى المحبة، ومسافةً يتعلّمها بين الانتماءين الثقافيَّين والدينيَّين اللذين يتجاذبانه. عبر هذا المسار، يضع دو مونتيتي الأدب في خدمة امتحان أخلاقي معاصر، ويمنح القارئ تجربة تُقاس بصدقها أكثر مما تُقاس ببرّاقتها.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93626060/atyan-do-...


