أوليفر ساكس والذاكرة البشرية: لماذا النسيان ضروري للإبداع


Rédigé le الأربعاء 3 يونيو/جوان 2026 à 17:43 | Lu 0 commentaire(s)



استكشف عالم الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس في مقال بمجلة New York Review of Books الآلية المدهشة التي نصنع بها ذكرياتنا، كاشفاً الخط الباهت الفاصل بين ما نختبره فعلاً وما نستوعبه من محيطنا. أثبتت الأبحاث العلمية أن الذاكرة البشرية ليست جهاز تسجيل دقيقاً، بل عملية إنشاء مستمرة تتأثر بالتجارب الشخصية والعوامل الخارجية.



كشف ساكس أن بعض أعز ذكرياتنا ربما لم تحدث قط، أو حدثت لأشخاص آخرين دون أن ندرك. أوضح الطبيب الشهير أن العديد من حماساتنا ودوافعنا التي نعتقد أنها خاصة بنا تماماً قد نشأت في الأصل من اقتراحات الآخرين، مؤثرة فينا بوعي أو دون وعي ثم محوها النسيان. طرح ساكس ظاهرة الانتحال الذاتي باعتبارها شائعة عند المبدعين، حيث ينتج الكاتب أو الفنان عبارات أو جملاً كاملة معتقداً أنها جديدة بينما سبق له صياغتها منذ سنوات.

أشار ساكس إلى دراسات حالة زُرعت فيها ذكريات كاذبة عن أحداث وهمية في عقول أشخاص حقيقيين، مستكشفاً السرقة الأدبية اللاواعية التي تناولها الكاتب هنري ميلر شعرياً والأديب مارك توين بوضوح في رسالته الشهيرة لهيلين كيلر. خلص الطبيب إلى عدم وجود آلية في العقل أو الدماغ لضمان دقة ذكرياتنا أو صحتها، موضحاً أننا لا نملك وصولاً مباشراً للحقيقة التاريخية. ما نشعر به أو نؤكده كحقيقة يعتمد على مخيلتنا بقدر اعتماده على حواسنا، إذ لا توجد طريقة لنقل أحداث العالم أو تسجيلها مباشرة في أدمغتنا.

الذاكرة التشاركية

شدد ساكس على أن حقيقتنا الوحيدة غالباً هي الحقيقة السردية، أي القصص التي نرويها لبعضنا البعض ولأنفسنا، والتي نعيد تصنيفها وصقلها باستمرار. رأى أن هذه الذاتية مدمجة في طبيعة الذاكرة ذاتها، وتنبع من أسسها وآلياتها في الدماغ البشري. المفارقة أن الانحرافات الجسيمة نادرة نسبياً، وأن ذكرياتنا في الأغلب متماسكة وموثوقة رغم هشاشة نظامنا العصبي.

جادل الباحث بأن عدم قدرتنا على تحديد مصادر معارفنا بدقة قد يكون نقطة قوة متناقضة، لأن وسم كل معرفة بمصدرها الدقيق سيغرقنا بمعلومات غير ضرورية في أحيان كثيرة. أكد ساكس أن المشاركة والتبادل الفكري، هذا التواصل الإنساني، لن يكون ممكناً لو كانت كل معارفنا وذكرياتنا موسومة ومحددة وتُعتبر خاصة حصرياً بنا. وصف الذاكرة بأنها حوارية بطبيعتها، تنشأ من التجربة المباشرة ومن التفاعل بين عقول متعددة.

إعادة البناء الخيالي

استند ساكس لأبحاث حديثة تؤكد أن الذكريات ليست ثابتة أو مجمدة، بل تُحوّل وتُفكك وتُعاد تجميعها وتُصنف من جديد مع كل فعل استرجاع. استشهد بمفهوم الباحث بارتليت الذي اعتبر التذكر إعادة بناء خيالية مبنية على علاقة موقفنا بكتلة نشطة من ردود أفعالنا أو خبراتنا الماضية المنظمة، وليس مجرد إحياء لآثار محفوظة. اختتم ساكس بالإشارة إلى أننا كبشر نحمل أنظمة ذاكرة فيها نقائص وهشاشة وعيوب، لكنها تتمتع أيضاً بمرونة كبيرة وقدرة إبداعية استثنائية.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96780664/o...


: في نفس القسم