يروي الكاتب العلمي فيليب بول، في مقاله في مجلة «ذا نيو وورلد»، أن فريقًا من جامعة كاليفورنيا في بيركلي يزعم أنه أنتج لونًا «جديدًا» سمّاه «أولو» (olo). غير أن الأدق علميًا ألا يُفهم الأمر على أنه لون أُضيف إلى الطيف المرئي، بل على أنه إحساس بصري ناتج عن تنبيه غير طبيعي لخلايا مخروطية محددة في الشبكية.
يشير بول إلى أننا نعرف منذ زمن بعيد المدى الكامل للألوان التي تستطيع العين تسجيلها: فهو محكوم بأطوال موجات الضوء المرئي وبما تثيره هذه الأطوال في الخلايا المخروطية الثلاثة. ولذلك لا يمكن، عادةً، أن يخلط أحدٌ طلاءً يعطي لونًا مختلفًا كليًا عمّا رآه البشر من قبل.
لكن فريق بيركلي بنى جهازًا سمّاه «Oz» يحدد نوع نحو ألف إلى ألفي خلية مخروطية في بقعة من شبكية كل مشارك، ثم يوجّه جرعات دقيقة من ضوء الليزر، بطول موجي محدد، إلى الخلايا من نوع M، وهي الخلايا المعنية عادةً بالأطوال الموجية المتوسطة (الخضراء). ولأن العين لا تكف عن الحركة، يتتبع الجهاز حركتها بسرعة عالية كي لا تخطئ الجرعات هدفها. وحين يُحرَّك الليزر عمدًا فيصيب خلايا أخرى، لا يرى المشارك سوى لون الليزر الطبيعي.
في الرؤية اليومية يقع الضوء على جميع خلايا الشبكية معًا: المخاريط الثلاثة والخلايا العصوية التي تعمل في الضوء الخافت. أما في هذه التجربة فتُنبَّه خلايا M وحدها، وهو أمر لا يحدث في الحياة العادية.
ووفق ما ينقله بول، يبدو «أولو» لمن رآه قريبًا من السماوي أو الأزرق المخضر، لكنه يتميز بتشبّع غير مسبوق. ولم يتمكن المشاركون من مطابقته بألوان عادية تعرضها الشاشات إلا بعد تخفيف تشبّعه بالضوء الأبيض، وقيّموه جميعًا على أنه أشد تشبعًا من أقوى الألوان المألوفة. ويلاحظ الكاتب أن الدماغ يفسّر هذه الإشارة غير المألوفة ضمن إطاره المعتاد، فيأتي الإحساس أقرب إلى نوع من الأخضر، كما يُتوقع من خلايا تعالج الضوء المتوسط الطول.
لذلك فإن عبارة «لون لم يره أحد من قبل» جذابة صحفيًا، لكنها تحتاج إلى تحفّظ. فالفريق يستحق، بحسب بول، أن يُنسب إليه «لون جديد» لأن طريقة تنبيه الخلايا غير طبيعية تمامًا؛ غير أن «أولو» ليس لونًا يمكن طباعته أو عرضه على شاشة، ولا يستطيع أحد أن يراه بنفسه خارج هذا الجهاز المخبري. هو توسيع تجريبي لما يمكن للدماغ أن يؤوّله حين تتغير طريقة وصول الإشارة البصرية إليه، لا اكتشاف لون مستقل في الطبيعة.
لماذا يهم هذا البحث؟تكمن قيمة التجربة في درجة التحكم التي يتيحها الجهاز في تنبيه الخلايا الضوئية، وهو ما قد يساعد، بحسب المقال، على الإجابة عن أسئلة صعبة في علم الإدراك البصري:
كم خلية مخروطية يلزم تنبيهها حتى يختبر الإنسان إحساسًا لونيًا واضحًا؟ إلى أي مدى يتسم الجهاز البصري البشري بالمرونة في التعامل مع الإشارات غير المألوفة؟ هل يمكن «خداع» بعض الخلايا المخروطية لتستجيب مثل نوع آخر، بحيث يرى المصابون بعمى الألوان، الناتج عن غياب نوع من المخاريط، ألوانًا كاملة؟ هل يمكن، نظريًا، أن نجرّب بمخاريطنا الثلاثة ما تراه الطيور والزواحف والأسماك التي تملك أربعة أنواع منها؟وهذه كلها أسئلة وآفاق يطرحها الكاتب، ولا تعني أن النتائج العملية قد تحققت بعد.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
يان لوكون في «سيانس بو»: النماذج اللغوية ليست الطريق إلى الذكاء البشريالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98274844/o...