Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

أول خريطة في الكتاب المقدس وصناعة حدود الدول


Rédigé le الاثنين 19 يناير 2026 à 17:19 | Lu 2 commentaire(s)



ظهور أول خريطة مطبوعة داخل كتاب مقدس في مطلع القرن السادس عشر لم يغيّر فقط طريقة تصور "الأرض المقدسة"، بل دفع أيضًا نحو رؤية عالم منظم في دول قومية بحدود مرسومة بوضوح. هذه اللحظة المبكرة من تاريخ الطباعة الدينية ارتبطت بدورة إنتاج شهدتها زيورخ عام 1525 لدى كريستوفر فروشهاور، حيث طُبع العهد القديم مزودًا بخريطة صاغها قبل نحو عقد الفنان والناحت الألماني لوكاس كرناخ الأكبر في فيتنبرغ. ورغم أهميتها في تاريخ الكتاب المقدس، جاءت الخريطة مع أخطاء تكشف محدودية معرفة أوروبا بالمشرق حينها؛ إذ انقلب اتجاهها على المحور شمال–جنوب، فبدا البحر المتوسط شرق فلسطين لا غربها، بينما اتسم المشهد العام بطابع أوروبي: مدن مسوّرة وسط أشجار، وساحل متعرّج، ونهر الأردن يلتف بطريقة لا تعكس الواقع.



خريطة كرناخ، المكتوبة باللاتينية، وضعت القدس وبيت لحم ومعالم رحلة بني إسرائيل من سيناء نحو "الأرض الموعودة"، لكنها مزجت بين مقاربة رمزية موروثة من خرائط العصور الوسطى وبين محاولة "حداثية" تستخدم خطوط الطول كزينة في أعلى وأسفل اللوحة، مع انحراف الساحل بما يجعل أعلى الصفحة يتجه شمال شرق. هذا التهجين لم يكن معزولًا؛ فقبل ذلك بقرن، أعادت أوروبا اكتشاف بطليموس الجغرافي الإغريقي الروماني (القرن الثاني)، ومعه فن رسم خرائط تعتمد خطوط العرض والطول، حيث كان تقدير الطول آنذاك محدودًا ثم تحسّن كثيرًا لاحقًا. ومع انتشار الطباعة، غزت «جغرافيا» بطليموس أوروبا، وتدفقت نسخ الأطالس والخرائط.

سرعان ما أراد المشترون خرائط معاصرة لبلدانهم، فظهرت خرائط فرنسا وإسبانيا وإسكندنافيا بتموضع الشمال أعلى الصفحة ودقة لافتة في المدن والأنهار والسواحل، مثل الخريطة الحديثة لفرنسا في طبعة أولم 1486. هذه الخرائط طغت على تقاليد الخرائط الرمزية، ومنها ماباموندي هيريفورد نحو 1300، التي هدفت للتعبير الثقافي والديني أكثر من الدقة. الاستثناء الأبرز كان فلسطين؛ فطبعات بطليموس قدّمت "خريطة حديثة للأرض المقدسة" لا تستند إلى الإحداثيات، بل إلى شبكة تقدير المسافات، مع الشرق أعلى الصفحة والغرب أسفلها، وإبراز المواقع المسيحية وتقسيم فلسطين وفق مناطق القبائل.

هذا الإرث ظهر أيضًا في خريطة كرناخ التي تُشعر القارئ برحلة ترافق بني إسرائيل من العبودية في مصر إلى أرض الميعاد عبر مواضع مثل الكرمل والناصرة ونهر الأردن وأريحا، بينما تُقرأ "الأرض المقدسة" كحيز هجين: جزء من عالمنا وامتداد لخيال مشكّل بالنصوص والوعظ. وقد غذّى هذا المزج بين القديم والحديث تمثيل فلسطين بحسب أقاليم القبائل الاثني عشر، حيث ترمز القبائل المنحدرة من يعقوب لدى القرّاء المسيحيين إلى شرعية الإرث الروحي، وتُجسّد الخطوط المرسومة وعودًا أبدية.

لكن هذه الخطوط اكتسبت معنى سياسيًا متزايدًا مع العصر الحديث؛ فكما قسّمت خرائط "الأرض المقدسة" فلسطين إلى أقاليم قبليّة، راحت أطالس القرن السادس عشر أكثر فأكثر ترسم عالمًا مقسّمًا إلى أمم ذات حدود واضحة. وحين تظهر خريطة مقسّمة داخل كتاب مقدس، يبدو الأمر وكأنه يمنح تبريرًا دينيًا لعالم مليء بالحدود: خطوط كانت تنقل اتساع الوعود باتت تحدد نطاق السيادة.

على مستوى صناعة الكتب، ثبتت الخرائط داخل الأناجيل تدريجيًا. جرّب الطبّاعون ترتيبًا مختلفًا ثم استقروا على أربع خرائط أساسية: مسار تيه بني إسرائيل في الصحراء، أقاليم القبائل الاثني عشر، فلسطين في زمن يسوع، ورحلات بولس الرسول التبشيرية. بُني توازن بصري بين سفر وأسفار، وبين رحلات وأرض، على نحو يستعرض ترابط الأحداث: عُرى العهد القديم تتصل بما يعدّه العهد الجديد اكتمالًا، فيما يتصدر المخيال المسيحي المشهد ويُزاح واقع فلسطين العثمانية إلى الخلفية. تتجاور هنا روح الأطلس النهضوي مع تصوّر تفوق ديني، حيث تُرى الأرض المقدسة كما يتشكّل في الوعي المسيحي.

بهذه الطريقة، أسهمت أول خريطة في كتاب مقدس في دفع العالم نحو نموذج الدول القومية وحدود السيادة، وهو أثر ممتد حتى يومنا هذا.

 

للمزيد حول خريطة كرناخ في طبعة فروشهاور، يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة لدى Journal of Theological Studies، وعلى أمثلة الخرائط البطلمية مثل خريطة الأرض المقدسة في أولم 1486، وكذلك التمثيلات الفنية مثل لوحة نيكولا بوسان «عبور البحر الأحمر». نُشر هذا المقال أصلًا بالإنجليزية لدى The Conversation عبر الرابط How the first Bible to include a map helped spread the idea of countries with borders




المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93772826/aol-khryt...



Dans la même rubrique :
< >

Rss
Mobile