كان من المقرر أن ينطلق هذا الخميس، في العاصمة الأوكرانية كييف، أحد أبرز معارض الكتاب في البلاد، قبل أن يُؤجَّل الموعد على خلفية الدمار الذي لحق بصناعة النشر جراء الحرب. فعلى امتداد فصل الصيف وحتى عشية الدخول المدرسي، استهدفت الضربات الروسية مستودعات لدور نشر كبرى ومطابع في مختلف أنحاء أوكرانيا، وهو ما كشفه تحقيق ميداني لموقع France Info، والذي أفاد بأن أكثر من 12 مليون كتاب أُتلفت خلال هذه الفترة، أي ما يعادل أكثر من ثلث الكتب المطبوعة في أوكرانيا هذا العام.
وتتركز أكبر الخسائر في مدينة خاركيف، الملقّبة بـ"عاصمة الكتاب" في أوكرانيا. فمستودع دار النشر الأوكرانية "رانوك" (Ranok)، الذي تبلغ مساحته نحو 7 آلاف متر مربع، لم يعد اليوم سوى كومة من الرماد والحديد المتفحم، بعدما سقطت عليه مسيّرتان روسيتان في عز الصيف، في هجوم لم يخلّف ضحايا بشرية لكنه أشعل حريقا استمر سبعة أيام كاملة. وتقول لاريسا زوبكوفا، مديرة المركز اللوجستي التابع للدار، إن "روحها تمزّقت" وهي ترى الكتب، التي كانت مكدّسة حتى السقف، تتحوّل إلى دخان: أكثر من 8 ملايين كتاب موجّه للأطفال، إضافة إلى 620 ألف كتاب مدرسي كان مقررا توزيعها على المدارس في فاتح شتنبر/سبتمبر.
وبعد أكثر من شهر على الهجوم، لا تزال بعض أكوام الكتب تحترق ببطء، في كارثة تطال سلسلة الإنتاج بأكملها، من الكتّاب والرسامين إلى عمال الطباعة. وتوضح المسؤولة أن إصلاح الأضرار يحتاج إلى 3 ملايين يورو خلال ستة أشهر، أو خمس سنوات كاملة إذا اقتصرت الدار على إمكاناتها الذاتية دون دعم خارجي، معتبرة أن الهدف من الضربات الروسية هو كسر معنويات الأسر الأوكرانية لدفعها إلى مغادرة البلاد.
وفي وسط خاركيف، قرب محطة مترو الجامعة، تدير تتيانا مكتبة "كنيغولاند" (عالم الكتب)، التي افتُتحت قبل عامين ونصف في خضم الحرب. وتصف صاحبتها بأسى الرفوف التي بدأت تفرغ من الكتب، في ظل ندرة الإصدارات الجديدة وقلة الكتب المدرسية المتوفرة. وتؤكد أن الأيام الأولى بعد الهجوم شهدت إقبالا من الزبائن الراغبين في دعم المكتبة عبر شراء أي كتاب متاح، وأن هذا الدعم لا يزال مستمرا بعد أكثر من شهر، إيمانا من الأهالي بأن ما حدث "مأساة كبرى" تطال قطاع الكتاب بأكمله. ومع ذلك، تستبعد صاحبة المكتبة إغلاق أبوابها، معتبرة الصمود تحديا مهنيا لإثبات القدرة على الاستمرار في وجه المعتدي.
أما في كييف، فيروي الشاعر والكاتب إيفان ماركوفيتش، مؤسس دار نشر متخصصة في أدب الطفل، كيف تكبّدت داره خسائر بلغت 300 ألف دولار إثر ضربة استهدفت أحد مستودعاتها، وهو ما يعتبره استمرارا لاستهداف الأدب الأوكراني. وكانت الدار قد أصدرت الترجمة الأوكرانية لسلسلة "هاري بوتر" قبل أشهر من صدور نظيرتها الروسية، وهو ما يعتز به ماركوفيتش باعتباره إسهاما في "أَوْكَرَنة" جيل كامل من القراء الصغار.
ويربط ماركوفيتش ما يجري اليوم بمسار أطول من محاولات الترويس القسري للغة والهوية الأوكرانيتين، الممتد إلى القرن السابع عشر، مشيرا إلى أن اللغة الأوكرانية لم تفرض نفسها تدريجيا في المجال العام إلا بعد استقلال البلاد سنة 1991، ثم بوتيرة أسرع منذ اندلاع الحرب الشاملة. ويستحضر الكاتب الأرقام المتداولة بشأن عشرات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين الذين أفادت تقارير دولية بترحيلهم إلى روسيا أو بقائهم في مناطق واقعة تحت الاحتلال، محذرا مما يصفه بـ"ترويس قسري" يطال المناهج الدراسية والأجيال الصاعدة.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98068096/u...