يشكل صدور كتاب الدكتور بدر المقري «نظرات في كتابات عمر بنجلون (1936–1975)» عن مكتبة مؤسسة آفاق للدراسات والنشر، حدثاً ثقافياً لافتاً في سياق استعادة ذاكرة الحركة اليسارية المغربية، وتثبيت مكانة أحد أبرز رموزها شهيد الكلمة والموقف عمر بنجلون، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لاغتياله السياسي. يستعيد هذا العمل، الذي يجمع بين حس المؤرخ ودقة الباحث في الفكر السياسي، مسار رجل جايل تحولات المغرب المستقل، وكتب في قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والطبقة العاملة، ثم دفع حياته ثمناً لاختياراته الفكرية والتنظيمية.
ينطلق الكتاب من مدخل بيوغرافي مكثف، يقدم فيه المؤلف سيرة موضوعية لعمر بنجلون منذ النشأة في ثلاثينيات القرن الماضي، مروراً بتكوينه العلمي والمهني، ثم انخراطه المبكر في العمل النقابي والسياسي، وصولاً إلى زمن المواجهة المفتوحة مع أجهزة القمع وما رافقها من اعتقالات ومحاكمات. لا يكتفي الدكتور المقري باستعادة المحطات الكبرى، بل يرفق السيرة بشهادات متنوعة لرفاق وأصدقاء ومجايلين وشعراء وفاعلين سياسيين، ما يحول القسم الأول من الكتاب إلى فسيفساء سردية ترسم ملامح شخصية مركّبة تجمع بين التكوين التقني الصارم والحس الإنساني العالي والالتزام المبدئي بقضايا الفئات الشعبية. هذه الشهادات لا تؤثث النص فحسب، بل تمنح القارئ أدوات إضافية لفهم علاقة الرجل بزمنه وبالتحولات الكبرى التي عرفها المغرب بين الستينيات والسبعينيات.
أما القسم الثاني، وهو القلب النابض للعمل، فيقترح قراءة أنثروبولوجية في تاريخ الأفكار بالمغرب المعاصر عبر مدخل كتابات عمر بنجلون، باعتبارها مرآة لتحولات المجتمع والدولة والصراع السياسي. يشتغل المؤلف هنا على نصوص بنجلون ومقالاته ومداخلاته التنظيمية، ليعيد تركيب الحقول المفهومية التي شكلت نسيج مشروعه الفكري: من المساءلة الديمقراطية لأدوات التحليل التاريخي، إلى نقد تمثلات الدولة والسلطة، مروراً بقضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان والنزاعات الاجتماعية. ومن خلال هذا الاشتغال، يبرز الكتاب قدرة بنجلون على مزج الحس النقابي بلغة فكرية تلتقط تعقيدات البنية الطبقية المغربية، وتفتح أفقاً لممارسة سياسية تستند إلى الوعي لا إلى الانفعال فقط.
يفرد المؤلف حيزاً واسعاً لمسألة الديمقراطية، بوصفها الخيط الناظم لفكر بنجلون وتجربته، فيستعرض كيف تحول مطلب الديمقراطية من شعار سياسي إلى رؤية متكاملة تمس آليات التمثيل الحزبي والنقابي، كما تحاور دور النخب ومسؤولياتها تجاه المجتمع. كما يناقش الكتاب تصورات الشهيد لمسألة العدالة الاجتماعية، وعلاقته النقدية بالمقاربات الشعاراتية التي كانت سائدة في جزء من اليسار آنذاك، مقابل رهانه على تنظيم الطبقة العاملة وتأطيرها في أفق إصلاح ديمقراطي عميق. بهذا المعنى، يقدّم عمل بدر المقري مساهمة نوعية في ربط الفكر بالممارسة؛ إذ يكشف كيف أن مقالات بنجلون لم تكن مجرد تنظير سياسي، بل جزءاً من إستراتيجية نضالية دفعت ثمنها اعتقالاً وتعذيباً ثم اغتيالاً.
ومن القضايا اللافتة التي يضيئها الكتاب حضور البعد الكوني في كتابات بنجلون، سواء عبر اهتمامه بالنضالات الأممية للطبقة العاملة، أو من خلال تفاعله مع قضايا العالم الثالث والصراع العربي–الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، التي رأى فيها فضاءً لاختبار المواقف الأخلاقية قبل أن تكون مجرد ورقة في لعبة التوازنات الإقليمية. يعالج المؤلف أيضاً تصور بنجلون للعلاقة بين التعليم والثقافة والسياسة، وكيف كان ينظر إلى المدرسة العمومية بوصفها رافعة للتحرر الاجتماعي وشرطاً لدمقرطة المجتمع. هذه المحاور تجعل من الكتاب محطة أساسية لكل باحث في الفكر السياسي المغربي، ولكل صحفي أو فاعل إعلامي يسعى إلى فهم جذور الأسئلة التي ما زالت تؤطر النقاش العمومي اليوم حول الدولة والسلطة والمعارضة وحقوق المواطن.
في قسمه الختامي، يعمد الكتاب إلى توسيع زوايا القراءة عبر تتبع حضور بنجلون في العمل التنظيمي خلال الفترة الممتدة بين 1963 و1975، مع إضاءة دوره في النقابة والعمل الحزبي، ثم استعادة نصوص مختارة من مقالاته، ولا سيما عموده في جريدة «المحرر» الذي شكّل منصة للتفاعل اليومي مع قضايا الطبقة العاملة والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. هذا الجمع بين السيرة والفكر والنصوص الأصلية يمنح القارئ مادة غنية تساعد على إعادة تركيب صورة الشهيد بعيداً عن التقديس أو الاختزال، ويعيد إدماجه في سياق أوسع هو سياق تشكل الوعي الديمقراطي المغربي. بذلك، يقدّم كتاب «نظرات في كتابات عمر بنجلون» إضافة ذات قيمة كبيرة إلى مكتبة تاريخ الأفكار بالمغرب، ويضع بين أيدي الباحثين والفاعلين الثقافيين أداة مرجعية يمكن أن تغذي النقاشات الراهنة حول المصالحة مع الذاكرة، وربط النضال السياسي بأخلاقيات الفعل العمومي.
المصدر : https://aljinane.articlophile.com/blog/i/93331934/...