☰

أمين معلوف: الإنسانية على حافة الفناء… هل تنقلب التكنولوجيا على صانعها؟


الثلاثاء 3 نونبر 2026 à 18:57 |



في كتابه الجديد «قرن تحوّلنا» (Le Siècle de notre métamorphose)، الصادر عن دار غراسيه في 14 أكتوبر 2026، يذهب أمين معلوف، الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية، إلى أن ما يجري أمام أعيننا ليس تسارعاً عادياً في تقدّم العلوم من النوع الذي عرفته البشرية من قبل، بل تحوّلاً من طبيعة مختلفة تماماً. ويرصد الكتاب ثلاثة محرّكات كبرى لهذا التحول: الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، ثم الطاقات المتجددة والاختلال المناخي، منبّهاً إلى هوّة تتسع يوماً بعد يوم بين إيقاع العلم المتسارع والطريقة التي تُدار بها المجتمعات البشرية.



وفي حوار مع برنامج «L'invité» على قناة TV5MONDE، بسط صاحب «الهويات القاتلة» و«غرق الحضارات» أطروحته بلغة هادئة لا تخلو من القلق: من مخاطر الآلة على الوظائف والمعلومة والديمقراطية، إلى احتمال توظيف العلوم الحيوية في صنع فيروسات مدمّرة، مروراً بالجدل الذي أثارته رواية فرنكوفونية اتُّهم صاحبها بكتابتها بالذكاء الاصطناعي، ليخلص إلى أن الثقافة والأدب يظلان الأداة التي يملكها البشر كي تلحق عقلياتهم بما تصنعه أيديهم. في ما يلي ترجمة عربية محرَّرة وموسّعة لأبرز ما جاء في هذا الحوار.

الإنسانية أمام منعطف غير مسبوق

المحاور: مرحباً أمين معلوف. أنتم عضو في الأكاديمية الفرنسية وأمينها الدائم، وتُترجم مؤلفاتكم وتُقرأ وتُحتفى بها في العالم كله. نستضيفكم بمناسبة صدور كتابكم «قرن تحوّلنا». نظرتكم إلى العالم نظرة يقظة؛ فأنتم تقولون إن الإنسان يقف على عتبة تحولات هائلة، من الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجيا الحيوية وأسئلة أخلاقيات الحياة، قد ترتقي به وقد تقضي عليه. لماذا تختلف هذه المرحلة عن غيرها؟

أمين معلوف: كثيراً ما يُقال إننا عند منعطف، وإن المرحلة التي نعيشها حاسمة ومصيرية. وقد يكون ذلك صحيحاً أحياناً، لكن الأمر هذه المرة من طبيعة أخرى. فما حدث في السنوات الأخيرة غيّر قواعد اللعبة فعلاً. لسنا أمام مجرد تطور، ولا أمام مجرد تسارع، بل أمام ما يشبه الانفلات في حركة العلوم والتقنيات، انفلاتٍ لن نستطيع إيقافه، وعلينا أن نواجهه.

المحاور: بل تقولون إننا لن نستطيع حتى إبطاءه.

أمين معلوف: سيكون ذلك عسيراً جداً. ولهذا نحن بحاجة إلى أن نفهم ما يحدث، وأن نتكيّف معه بطريقة أو بأخرى.

علوم تتسارع وعقليات تتعثر

المحاور: العلوم والتقنيات تتقدم بسرعة، والعقليات لا تواكبها.

أمين معلوف: أعتقد أن هذه سمة ثابتة في التاريخ البشري. فالعلوم والتقنيات تتغذى من حركتها الذاتية، ولا تحتاج إلى من يدفعها إلى الأمام في كل مرحلة. أما العقليات فتعرف صعوداً وهبوطاً: فترات تقدّم، وفترات مراوحة في المكان، وفترات تراجع. واليوم تمضي العلوم والتقنيات بسرعة متزايدة، في حين يبدو جلياً أن عقلياتنا آخذة في الانزلاق إلى الوراء.

هل تفلت الآلات من سيطرة صانعيها؟

المحاور: تقولون بعبارة صريحة إن الإنسان بات متجاوَزاً بما صنعه بيديه وعقله، وكأن الآلة تجاوزت مصمّمها.

أمين معلوف: سأضرب لكم مثالاً. من الواضح أن بعض التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى أن تفلت الآلات التي اخترعناها من أيدينا، فنعجز عن التحكم في مسارها. ولكي تكون لدينا فرصة لتفادي ذلك، ينبغي أن تتشاور الأطراف كلها، وفي مقدمتها القوى الكبرى، بدءاً بالولايات المتحدة والصين، وأن تدرس هذه المشكلة وتبحث في سبل مواجهتها. وواضح أن هذا لا يحدث في المناخ الراهن، ولن يحدث.

ومثال آخر هو المناخ. فنحن نحتاج بوضوح إلى تضامن عميق بين الأمم لمواجهة التدهور في هذا المجال، بينما نعيش في عالم لم يعد فيه نظام دولي حقيقي، ولا علاقات طبيعية بين المجتمعات. إنها شريعة الغاب هي السائدة إلى حد ما، وفي ظروف كهذه لن نتمكن من كبح الانحدار المناخي.

ثلاثة أنواع من المخاطر

المحاور: تقولون إننا نفقد الخيط، بل نفقد السيطرة. فأي خطر يترتب على ذلك؟ إن ما ترسمونه في هذا الكتاب يكاد يكون خطر الفناء.

أمين معلوف: لا ينبغي أن نصاب بالهوس بالمخاطر ولا أن نستسلم لليأس. علينا أن نحتفظ برؤوس باردة، لكن ثمة مخاطر حقيقية، وأستطيع أن أصنّفها في ثلاثة أنواع.

هناك أولاً مخاطر تهدد مجتمعاتنا، كالخطر على فرص العمل، وهو خطر حقيقي سيظل قائماً لسنوات طويلة. وهناك مخاطر على طريقتنا في التواصل، وفي التعلّم، وعلى المعلومة نفسها، مع كل هذا الزيف الذي يمكن إنتاجه في هيئة الحقيقة. هذه مخاطر واقعية على مجتمعاتنا وعلينا أن نسعى إلى مواجهتها.

وهناك ثانياً مخاطر وجودية بكل معنى الكلمة، أي أن يفلت منا يوماً هذا العلم الذي طوّرناه. لم نبلغ هذه المرحلة بعد، لكننا لا نستطيع استبعادها، وعلينا أن نعمل على تجنّب انزلاق كهذا. إنه خطر حقيقي يقتضي اليقظة، وإن لم نصل إليه بعد.

أما الخطر الثالث، وهو بالغ الأهمية في نظري، فهو أن تُستخدم التقنيات الجديدة من قِبل دول، أو تنظيمات متعصبة، أو كارتلات إجرامية. تخيّلوا أن يطوّر أحدهم نوعاً من القنابل البكتيرية؛ فالذكاء الاصطناعي يجعل ذلك ممكناً. قد نرى غداً من يصنّع فيروسات تهاجم مجتمعاتنا وتهزّ العالم بعنف يفوق بكثير ما فعلته جائحة كوفيد. هذه المخاطر كلها قائمة، وقائمة في آن واحد، وتتطلب يقظة كبيرة وتضامناً إنسانياً واسعاً.

الطب وإطالة العمر: الوجه المضيء والوجه المظلم

المحاور: ومع ذلك، تقولون إن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية يوحّدان قواهما. ويمكن أن نسمّي ذلك تقدماً في لحظة ما؛ فأنتم تتحدثون عن حلم الحياة الأبدية تقريباً، أو تأجيل ساعة الموت إلى ما لا نهاية. لكنها، في الوقت نفسه، تفلت منا.

أمين معلوف: إنه تقدم هائل. فما حققه الذكاء الاصطناعي حتى الآن في الطب، وما يمكن أن يحققه في المستقبل، أمر مذهل. لكن هناك في المقابل خطر أن يطوّر بعضهم، لأسباب شتى، عن نية إجرامية أو عن خطأ أو عن تهوّر، فيروسات شديدة الفتك باستخدام التقنيات نفسها. ولذلك يجب الحذر. ففي الذكاء الاصطناعي، كما في التكنولوجيا الحيوية وغيرها من التقنيات الحديثة، نملك القدرة على أن نمنح البشرية كل ما حلمت به، ونواجه في الوقت ذاته خطر أن تنقلب هذه الأدوات علينا فتدمّر أحلامنا جميعها.

أوروبا عشية الحرب الكبرى: درس السرعة

المحاور: يذكّرنا هذا ببداية القرن العشرين، قبيل الحرب العالمية الأولى، يوم كان العالم يحلم في ظل تقدم علمي كبير وحياة ثقافية زاخرة في ألمانيا وفرنسا، ثم انتهى كل شيء بانفجار الحرب الأولى، فالثانية، فالأزمة الكبرى. هل نحن عند فجر رهانات مماثلة؟

أمين معلوف: نعم، مع فارق أن الأمور تجري اليوم بسرعة أكبر بكثير. تصوّروا أن برامج المحادثة، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود» وغيرهما، لم تكن موجودة قبل أربع سنوات فقط، وانظروا إلى الأهمية التي باتت تحتلها اليوم في النشر والإعلام والطب وفي كل المجالات. إنه انقلاب عملاق وبالغ السرعة. لا نملك عقوداً للرد؛ نحتاج إلى أن ندرك ما يحدث، وأن نبحث بجدية عن حلول، وبسرعة.

الهويات المنغلقة والحاجة إلى كونية جديدة

المحاور: أقتبس من كتابكم: «من أكثر سمات المرحلة الراهنة إثارة للقلق أن عدداً من الأحزاب السياسية التي كانت تدعو في الماضي إلى التقدم الاجتماعي والقيم الكونية باتت تُبدي تساهلاً مع النزعة الجماعاتية».

أمين معلوف: هذا جانب آخر، لكنه مهم اليوم في رأيي. فنحن نشهد تصاعداً في تأكيد الهويات، وهذه مشكلة في حد ذاتها. لقد كتبت قبل سنوات كتاباً بعنوان «الهويات القاتلة»، فالقضية تشغلني منذ زمن بعيد. غير أن هناك اليوم مصدر قلق إضافياً: إذا لم ننجح في تغيير نظرتنا إلى الإنسانية، وإذا لم نرتقِ إلى مستوى التطور التقني، وإذا لم نبتكر كونية جديدة وتضامناً جديداً بين الجماعات البشرية كلها، فإننا مهددون بما أسمّيه، في الحقيقة، نهاية العالم.

لا تضيّعوا البوصلة في صراعات عابرة

المحاور: وحين ننظر إلى الأحداث في فرنسا، إلى هذا الشكل من الفوضى، إلى أعمال الشغب والعنف، في زمن كل هذه الطفرات التكنولوجية ورهانات المستقبل، ماذا تقولون في أنفسكم؟ أن ثمة خللاً ما؟

أمين معلوف: هناك جانب يخص الحياة السياسية، ولكلٍّ أن يرى فيه ما يشاء؛ إنها الحياة السياسية واضطراباتها. لكن ثمة حاجة، في أوضاع كهذه، إلى أن نقول: «حذار من أن نضيع في صراعات ستبدو لنا بعد عشر سنوات ثانوية». فهناك أمور وجودية كثيرة تُحسم الآن، بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا والإنسانية جمعاء. علينا ألا نغفل عن الرهانات الكبرى.

من فرانكشتاين إلى «تشات جي بي تي»

المحاور: تروون في هذا الكتاب أن البحث عن الذكاء الاصطناعي قديم، وأن الإنسان يحلم به منذ زمن بعيد.

أمين معلوف: الحلم قديم، والخيال قديم. أما الجديد فهو أننا صرنا اليوم قادرين على تحقيقه. في الماضي كانت هذه أفكاراً للروائيين؛ كان ذلك «فرانكشتاين» وما شابهه. أما اليوم فقد تجاوزنا تلك المرحلة: لقد منحنا العلم القدرة على تحقيق الأفضل والأسوأ معاً.

وأستشهد في الكتاب بستيفن هوكينغ الذي قال إن الذكاء الاصطناعي المتقدم سيكون إما أفضل ما حدث في تاريخ البشرية وإما أسوأه، وأظن أنه محق. فأمامنا الاحتمالان: إما أن نستخدم التقدم العلمي الراهن للارتقاء بالبشرية، ومنحها كل ما حلمت به، وحلّ مشكلاتها كلها، من الأمراض إلى الجهل؛ إذ نملك اليوم الوسائل لحل كل المشكلات التي عانت منها البشرية حتى الآن. وإما أن يفلت كل ذلك من أيدينا فنبلغ وضعاً تضيع فيه البشرية تماماً، أو تُهمَّش. لا أريد أن أسير في اتجاه الأدب السوداوي الذي يتنبأ بإبادة البشرية، لكن لا ينبغي أن نغفل عن أن كل ذلك قد يحدث إن لم نأخذ ما يجري اليوم على محمل الجد. علينا أن نبقى يقظين، وأن نعيد التفكير في العالم، وفي مكانة الإنسان فيه.

خطر التهميش: ما بعد الرعب النووي

المحاور: كلمة «التهميش» قوية جداً، فهي تعني أن الإنسان قد يجد نفسه على هامش تاريخه هو.

أمين معلوف: لطالما رأى الإنسان نفسه في مركز الخليقة. لقد ابتكر أشياء مذهلة، والمفارقة أنه بلغ من التقدم حداً جعله يخترع أدوات قد تتسبب في هلاكه. رأينا ذلك من قبل مع السلاح النووي؛ فقد عشنا عقوداً في خشية دمار من هذا النوع، ولحسن الحظ لم يقع. لكن مخاطر جديدة تنضاف اليوم إلى الخطر الذري، وقد تتسبب هي الأخرى في كوارث.

علينا أن نبقى يقظين، وألا نستسلم لنوع من الكسل الذهني الذي يقول: «سينتهي الأمر كما انتهى مع الحرب الباردة؛ سنعيش خوفاً كبيراً ثم تعود الأمور إلى نصابها». ربما، وربما لا. فمن الممكن أن تحدث انحرافات لا يمكن تداركها، وهذا ما يحدث فعلاً مع المناخ. فبصراحة، لم نفعل حتى الآن شيئاً جدياً لوقف تدهوره، وسنكتشف على الأرجح يوماً أننا لم نعد قادرين على التحكم في هذا الانزلاق.

الديمقراطية بين التمكين والمصادرة

المحاور: وماذا عن التهديد السياسي، أي احتمال قيام شكل من الاستبداد، أو دكتاتورية تمارسها هذه التكنولوجيا الجديدة التي ستستولي علينا بطريقة ما، فنفقد خيط الحرية؟

أمين معلوف: من الواضح أن هناك آثاراً على سير مجتمعاتنا وديمقراطياتنا، وإن كان من المبكر تحديدها. لا أريد هنا أيضاً أن أنزلق إلى التهويل، لكن لا يمكن للحياة السياسية أن تجري بالطريقة نفسها مع الأدوات التي نملكها، ومع كل هذه الأحداث والصور والأقوال الزائفة التي تُنتج اليوم. ثم هناك تدخلات نلاحظها خلال الانتخابات في بلدان مختلفة، بتأثير هذه الخوارزمية أو تلك، ونحن لا نتحكم في هذه المسائل. لا أعرف إن كان لها أثر فعلي اليوم، لكن يجب أن نبقى متيقظين، فمن الممكن تماماً أن نصل إلى لحظة تتضرر فيها الديمقراطية من تطور التقنيات الجديدة.

وفي المقابل، يمكن لهذه التقنيات أن تحسّن الديمقراطية، وأن تمنحنا قدراً أكبر من السلطة، وأن تتيح للمواطنين التدخل بطريقة مشروعة وفعالة تماماً، كما يمكن أن تحرمهم يوماً من حقوقهم لصالح قوى لا يتحكمون فيها إطلاقاً.

الأدب واللغة: «عصب الإنسانية»

المحاور: تقولون في هذا الكتاب إن مواجهة هذه الرهانات هي علّة وجود الأدب. وكأن الأدب مصدر أمل.

أمين معلوف: نقطة الضعف في تطور البشرية اليوم هي أن العقليات لا تواكب التطور التقني والعلمي. وما الذي يسمح بتقدم عقلياتنا، وبتحسين طريقتنا في بناء العلاقات مع الآخرين، وفي النظر إلى أنفسنا وإليهم؟ إنها الثقافة، والأدب على وجه الخصوص. ولذلك فمن المهم أكثر من أي وقت مضى أن يؤدي الأدب دوره.

ثم إن ما حدد المكانة الحالية للذكاء الاصطناعي في حياتنا، وما يجعلنا نتحدث عنه إلى هذا الحد، هو أنه لامس اللغة. فمنذ اللحظة التي بدأ فيها الذكاء الاصطناعي يعبّر بلغات البشر، تغيّر شيء ما، لأن اللغة هي عصب الإنسانية. وكل ما يمرّ عبر اللغة قادر على تحويل الإنسان، نحو الأفضل أو نحو الأسوأ.

رواية في قفص الاتهام: دليل تقني بلا دليل أخلاقي

المحاور: لكن الذكاء الاصطناعي قد يستولي أيضاً على الأدب. رأينا ذلك في قضية الكاتب تيليسون أوريليان وروايته التي يُشتبه في أنها كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

(سياق: تشير المحاورة إلى قضية رواية «C'était ça ou mourir» للكاتب الكندي من أصل هايتي تيليسون أوريليان (Thélyson Orélien)، التي فازت بجائزة رواية «فناك» لعام 2026 قبل أن تطالها اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، وهي اتهامات نفاها الكاتب بشدة. وقد أعلنت دار «بوريال» الكندية قطع علاقتها به مستندة إلى «عناصر جديدة»، فيما سحبت أكاديمية غونكور الرواية من قائمتها الأولى لجائزة 2026.)

أمين معلوف: الأدوات الجديدة تصلنا مرفقة بدليل استخدام تقني، لا بدليل استخدام أخلاقي. وعلينا نحن أن نبتكر الطريقة التي ندخل بها هذه الأدوات إلى حياتنا. هذه الأداة، أي الذكاء الاصطناعي، وبرامج المحادثة على وجه الخصوص، جديدة. لقد وصلت، ونحن لا نعرف بالضبط ما الاستخدام المشروع لها، وما الاستخدام الذي ينبغي حظره أو ضبطه على الأقل. وهذه القضية مثال على ذلك. ومن البديهي أن هذه الأسئلة لن تختفي، بل ستُطرح باستمرار في التعليم: هل لا يزال بالإمكان إجراء الامتحانات إذا كان الطلاب يكلّفون الذكاء الاصطناعي بكتابة فروضهم؟ وهل يمكن أن نثق بكتاب إذا ساورنا الشك في أنه كُتب بالذكاء الاصطناعي؟

المحاور: وقد يكون كتاباً جيداً.

أمين معلوف: نعم، قد يكون جيداً. ببساطة، نحتاج إلى أن ننضج هذه الأسئلة، وأن نجد خطاً واضحاً للسلوك. لن نحظر استخدام الذكاء الاصطناعي. ولعل الحل أن نضع على المنتجات الثقافية المصنوعة أو المكتوبة بمساعدته إشارة إلى ذلك، كما نُثبت منشأ أي منتج.

الشفافية قبل الحكم

المحاور: مع خطر أن يفضّل الناس ما يكتبه الذكاء الاصطناعي، فيُهزم العقل البشري في النهاية.

أمين معلوف: لا نعرف بالضبط ما الذي سيفضّله الناس. إذا كان هناك كتاب يجده الناس ممتعاً لكنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي، فينبغي في رأيي أن يُقال ذلك ببساطة. يجب أن نقول للناس: «هذه الدراسة التي قرأتموها كتبها الذكاء الاصطناعي»، ليكونوا على علم. أعتقد أن هناك مطلباً للشفافية، وهذا لا يعني أن الناس سينفرون من العمل لمجرد أنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي. إنها أدوات جديدة إلى درجة أننا لم نعثر بعد على الطريقة التي ندير بها علاقتنا بها.

هل تدمّر الآلة صانعها؟

المحاور: ذكرتم فرانكشتاين في هذا الحوار، ولنختم بنبرة أخفّ قليلاً: أهذا هو السؤال في نهاية المطاف؟ هل ستدمّر الآلة من صنعها؟

أمين معلوف: أظن أنه سؤال مطروح اليوم فعلاً. وأكرر أن هناك مخاطر أخرى أكثر إلحاحاً لا ينبغي إغفالها، لكن هذا الخطر الوجودي قائم أيضاً. علينا أن نبقى يقظين كي لا نصل إلى ذلك، وأعتقد أننا قادرون على ألا نصل إليه.

المحاور: شكراً أمين معلوف على هذا الحوار الشيّق، وعلى كتابكم «قرن تحوّلنا» الصادر عن دار غراسيه، وهو عمل يبعث على التأمل ويعين على فهم عالم اليوم.

قراءة في الحوار

يظل خطاب معلوف وفياً لخيط ناظم يمتد في أعماله منذ «الهويات القاتلة» و«اختلال العالم» و«غرق الحضارات»: الخوف من أن تتقدم الأدوات أسرع من الحكمة التي تديرها. غير أن الجديد في «قرن تحوّلنا» هو تحديده لأفق زمني ضاغط؛ إذ يرى، بحسب تقديم الأكاديمية الفرنسية للكتاب، أن السؤال الأكثر مصيرية في التاريخ البشري، أي قدرتنا على قيادة هذا التحول بدل أن يهمّشنا، سيُحسم قبل منتصف القرن. ويبقى رهانه الأخير على اللغة والأدب، باعتبارهما المجال الذي اقتحمه الذكاء الاصطناعي، والمجال الذي يملك فيه الإنسان في الوقت ذاته أقوى أسلحته لإعادة التفكير في ذاته وفي علاقته بالآخر.

المصدر: مقابلة مع أمين معلوف في برنامج «L'invité» على قناة TV5MONDE، بمناسبة صدور كتاب Le Siècle de notre métamorphose عن دار Grasset. ترجمة عربية محرَّرة وموسّعة انطلاقاً من التفريغ الفرنسي للمقابلة؛ حُذفت التردّدات والتكرارات الشفوية، وأضيفت فقرة السياق بين قوسين للتعريف بالقضية المشار إليها.






المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98575291/a...


: في نفس القسم