خلال القرون الوسطى الأوروبية لم تكن القهوة معروفة بعد، ولم يوجد ما يشبه المقهى بالمعنى الحالي، لكن فضاءات اجتماعية أخرى أدّت وظائف قريبة من دور المقاهي المعاصرة من حيث تبادل الأخبار وبناء الروابط بين الأفراد.
في أوروبا قبل انتشار القهوة كانت المشروبات السائدة هي الجعة والنبيذ والـ«ميد»، وكانت المياه في كثير من الأحيان غير آمنة للشرب، ما جعل المشروبات الكحولية جزءا من الاستهلاك اليومي، بينما لم تدخل المنبهات مثل القهوة والشاي إلى الحياة الأوروبية إلا في القرن السابع عشر. في هذا السياق لم يكن تعريف فضاءات اللقاء مرتبطا بنوع المشروب بقدر ما كان مرتبطا بالعادات الاجتماعية: الحاجة إلى مكان دافئ، وطاولات مشتركة، وإحساس بانتماء جماعي.
أحد أبرز هذه الفضاءات كان الحانات والنزل، التي شكّلت محور الحياة الاجتماعية في المدن والبلدات؛ فالمسافرون كانوا يلجؤون إليها بحثا عن الطعام والمبيت، في حين كان السكان المحليون يستغلونها لعقد الصفقات وتبادل الأخبار والثرثرة الجماعية. إلى جانب هذه المؤسسات، ظهرت «بيوت الجعة» الأكثر تواضعا من حيث الحجم والخدمات، والتي كانت منتشرة في الأحياء الشعبية وغالبا ما تُدار من داخل منازل خاصة، لتقدّم مكانا زهيد الكلفة لطبقات العمال للجلوس والشرب والتواصل اليومي. تاريخيا، كانت هذه البيوت أكثر استعدادا لفتح أبوابها أمام النساء مقارنة ببعض الحانات الرسمية، وهو ما منحها طابعا اجتماعيا متنوعا نسبيا.
فضاء آخر، يبدو اليوم في الوعي المعاصر مرتبطا بالنظافة والعلاج، لعب دورا اجتماعيا ملحوظا في مدن وسط وشمال أوروبا: الحمّامات العامة. كانت هذه الحمامات أماكن يقضي فيها الناس ساعات طويلة للاستحمام والاسترخاء، لكن أيضا للأكل والحديث وعقد الأعمال، بل ولتلقي خدمات طبية أو جراحية بسيطة مثل العناية بالأسنان. بهذه الوظائف المتداخلة أدت الحانات وبيوت الجعة والحمامات دور «الفضاء الثالث» الذي يجمع بين خصائص الحانة والمقهى ومركز المجتمع، بديلا عن المقاهي القائمة على استهلاك القهوة التي ستظهر لاحقا.
في العالم الإسلامي، وعلى الضفة الأخرى من التاريخ الاجتماعي للقهوة، ظهرت أولى المقاهي الحقيقية في القرن الخامس عشر في منطقة البحر الأحمر، حيث تطورت طريقة تحميص البن وطحنه ثم تحضيره كمشروب مستقل، قبل أن تنتشر ثقافة القهوة بسرعة في الإمبراطورية العثمانية خلال القرن السادس عشر. هذه المقاهي، المعروفة باسم «كافه خانة» أو «قهفه خانه»، كانت فضاءات تقدَّم فيها القهوة إلى جانب الألعاب والحكايات الشعبية والنقاشات السياسية، ما جعلها مراكز للحياة الحضرية في مدن مثل مكة والقاهرة ثم إسطنبول. هذا الطابع المفتوح، الذي يسمح لأي رجل بشراء كوب والمشاركة في النقاش، أثار مخاوف السلطات الدينية والسياسية، فتعرضت المقاهي في بعض الفترات للحظر أو التضييق بسبب ارتباطها بالمداولات العامة وإمكان تحولها إلى بؤر معارضة.
رغم هذه الحملات، استمر نموذج المقهى في العالم الإسلامي ثم انتقل إلى أوروبا في القرن السابع عشر، حيث ظهرت أولى المقاهي في مدن مثل البندقية ثم أكسفورد ولندن، مستلهِمة جزءا من تنظيم المقاهي العثمانية ولكن مع تكييفه مع السياقات المحلية. في أكسفورد، على سبيل المثال، نُظر إلى المقهى بوصفه «جامعة بنس واحد»، إذ منح سعر كوب القهوة حق الدخول إلى فضاء مليء بالصحف والمنشورات والنقاشات المعرفية، بما يشبه اليوم فضاءات العمل المشترك والإعلام الاجتماعي. تدريجيا تحوّلت هذه المقاهي الأوروبية إلى فضاءات تحلّ جزئيا محل المكتب وغرفة الاجتماعات وغرفة البريد، وكانت طاولاتها المشتركة تغطيها الصحف والنشرات، بينما تجلس فيها نخبة من التجار والكتّاب والمفكرين.
من منظور تاريخ اجتماعي طويل المدى، تكشف هذه المسارات أن الحاجة إلى فضاءات تجمع الناس خارج المنزل والعمل سابقة على ظهور القهوة كمشروب عالمي، وأن المؤسسات الأوروبية في القرون الوسطى مثل الحانات والحمامات وفّرت بنية تحتية اجتماعية أدّت وظائف قريبة من المقهى قبل أن يتشكل هذا النموذج بوضوح في العالم الإسلامي ثم ينتقل إلى أوروبا الحديثة. هذا يفتح زاوية بحثية لمسارات المقارنة بين «الفضاء الثالث» في المدن الإسلامية الوسيطة والفضاءات الاجتماعية في أوروبا الوسطى، وكيف أعاد انتشار القهوة لاحقا توزيع الأدوار بين هذه المؤسسات، من الحمام والحانة إلى المقهى الحديث.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/97136456/med...