منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، تتردد في الأرياف الفرنسية إشاعة غريبة: طائرات مروحية مجهولة تُلقي صناديق مليئة بأفاعٍ سامة فوق الغابات والحقول. الفاعلون المفترضون؟ مختبرات أدوية تسعى لتجديد مخزونها من سم الأفاعي، أو نشطاء بيئيون يريدون إعادة التوازن الطبيعي. لا دليل واحد يثبت هذه الرواية، ومع ذلك ظلّت حاضرة لعقود، من جبال الجورا إلى سويسرا وإيطاليا.
بدأت القصة سنة 1981 حين عثر صيادان في منطقة الجورا على صندوق يحوي جثتَي أفعى، فتناقلت صحيفة محلية الخبر تحت عنوان مثير، ثم انتقلت الإشاعة إلى التلفزيون المحلي. لكن جذورها أقدم: رُصدت أولى إشاراتها سنة 1968 قرب حديقة البيرينيه الوطنية، ثم في سويسرا وإيطاليا خلال السبعينيات، قبل أن تجتاح فرنسا بأكملها في الثمانينيات.
فسّر مختصو الزواحف والمسؤولون في معهد باستور الفرنسي، وهو المُنتج الرئيسي لمصل مضاد لسموم الأفاعي، هذه الرواية بشكل قاطع: لا حاجة إطلاقًا لإطلاق أفاعٍ في الطبيعة، لأن النوع غير مهدد والمخزون كافٍ. كما أن الكلفة اللوجستية لعملية كهذه، عبر مروحيات مكلفة، تجعلها غير منطقية اقتصاديًا وعلميًا: الأفاعي المستورَدة أو المنقولة بكميات كبيرة لا تصمد في بيئات غير مألوفة لها.
فكيف نفسّر إذن استمرار هذه الإشاعة رغم كل التكذيبات؟ يقدّم الصحفي إريك إشيمان (Éric Aeschimann)، في كتابه الصادر عام 2025 عن دار "Les Liens qui Libèrent" بعنوان "الأفاعي لا تسقط من السماء: البيئة في مواجهة الطبقات الشعبية"، تفسيرًا سوسيولوجيًا لافتًا: الإشاعة، في نظره، استعارة رمزية لعلاقة القوة بين عالمَين متصادمَين — عالم العلم والخطاب البيئي "من فوق"، وعالم الفلاحين وسكان الريف الذين يشعرون بأنهم مُهمَّشون ومُفرَض عليهم قرارات لم يُستشاروا فيها، مثل قانون حماية الطبيعة لسنة 1976 الذي جعل الأفعى نوعًا محميًا.
يربط الكتاب هذه الإشاعة بأزمة أعمق: تراجع الأرياف الفرنسية، وشعور سكانها بالإقصاء أمام خطاب بيئي "توجيهي" يتحدث عن السيارة والسكن والغذاء دون مراعاة واقعهم الاقتصادي. من هنا، وفق المؤلف، ليست الإشاعة مجرد خرافة عابرة، بل تعبير رمزي عن غضب اجتماعي وخوف من المستقبل.
واللافت أن هذه الإشاعة القديمة عادت للظهور مؤخرًا بثوب جديد: في أغسطس 2025، رصدت قناة "France 3" الفرنسية صورة مزيّفة تم توليدها بالذكاء الاصطناعي، تُظهر أفاعٍ تفرّ من صندوق خشبي بينما تحلّق مروحية في الخلفية، نُشرت على فيسبوك بهدف التشكيك في الحركات البيئية — دليل على أن الإشاعات القديمة تجد في أدوات التزييف الرقمي وسيلة جديدة للانتشار.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97760477/afaa-tulqa...