أصول الدين بين التطور البيولوجي والحاجة إلى الترابط الاجتماعي


الأربعاء 2 شتنبر 2026 à 15:55 |



يتناول الحديث مع عالم الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري بجامعة أكسفورد روبن دنبار، كما تقدمه منصة "بي بي سي ساينس فوكس" في بودكاست Instant Genius، سؤالًا مركزيًا حول كيفية نشوء الظاهرة الدينية داخل مسار تطور الإنسان، ولماذا استمرت في جميع المجتمعات رغم موجات العلمنة الحديثة.

يرتبط هذا الحوار بصدور كتابه الجديد عن دار "بيليكان" بعنوان How Religion Evolved And Why It Endures، الذي يحاول فيه رسم خط تطوري طويل يربط بين البنى العصبية في الدماغ البشري، وأنماط العيش الجماعي، وظهور الممارسات الطقسية والعقائد المنظمة.



يقدّم دنبار، الذي ارتبط اسمه في الأدبيات العلمية بنظرية "الدماغ الاجتماعي" و"رقم دنبار" المتعلق بحجم الشبكات البشرية، مقاربة تعتبر الدين امتدادًا لمجموعة من الآليات القديمة التي طوّرها الإنسان لبناء الروابط داخل الجماعة.

هذه الآليات تشمل، وفقًا لأعماله السابقة وأطروحته الأحدث، أدوات بسيطة مثل اللمس الجسدي، والضحك الجماعي، والغناء، ثم تتطور لاحقًا إلى طقوس أكثر تعقيدًا تُمارَس في إطار جماعات واسعة العدد وتتطلب مستوى أعلى من التنظيم العقائدي، كما يشرح في حوار آخر خصص لعرض أطروحة الكتاب.

ينطلق دنبار من فرضية أن ما يسميه "الميل الصوفي" أو القدرة النفسية على الإحساس بوجود عالم متجاوز للواقع المادي يشكل حجر الأساس الذي قامت عليه التجارب الروحية الأولى لدى الإنسان العاقل.

وتخضع هذه القدرة، بحسب ما يعرضه في كتابه ومحاضراته، لجملة من العوامل العصبية والفيزيولوجية المرتبطة بحالات الوعي المعدّلة، مثل حالات الغشية أو النشوة أو التماهي الجمعي التي يمكن أن تنشأ في سياق الرقص الإيقاعي، أو الترنيم، أو استعمال بعض المواد ذات التأثير النفسي في مجتمعات الصيد والجمع القديمة.

يربط الباحث بين تلك التجارب المبكرة وبين ما يصفه في كتابه بـ"أديان الخبرة"، أي الممارسات الروحية المرتكزة على التجربة الشخصية المباشرة كما عُرفت لدى مجتمعات الصيادين الأوائل، قبل ظهور الأديان العقائدية المنظمة.

ويقدّم تمييزًا تحليليًا بين هذا النمط وبين "الأديان المذهبية" التي تعرفها الحضارات الكبرى اللاحقة، مثل اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية والبوذية، حيث تلعب النصوص المقدسة والمؤسسات الدينية والتراتبية التنظيمية دورًا أكبر في ضبط الإيمان وتوجيهه.


في البودكاست، تركز مجلة "ساينس فوكس" على جانبين رئيسيين من عمل دنبار: تاريخ نشوء الدين ووظيفته الاجتماعية الراهنة. فمن جهة أولى، يطرح السؤال الزمني حول اللحظة التي ظهر فيها التفكير الروحي لدى الإنسان، وكيف تحولت الممارسات الشامانية المتناثرة إلى منظومات دينية كبرى ذات عقائد وقوانين وأخلاقيات محددة.

ومن جهة ثانية، تطرح المحاورة السؤال المتعلق بالمستقبل: إذا كانت المجتمعات الحديثة تشهد توسعًا في النزعة العلمانية، فإلى أي مدى سيبقى الدين جزءًا ثابتًا من التجربة الإنسانية؟

يحتج دنبار، استنادًا إلى رصيده في علم النفس التطوري، بأن الدين لم يكن مجرد عرض جانبي لمسار التطور بل لعب دورًا في تعزيز فرص البقاء لدى الجماعات البشرية. فالمشاركة في الطقوس الجماعية، من الغناء والترديد إلى المشاركة في الاحتفالات الدورية، تطلق مجموعة من المواد الكيميائية في الدماغ، مثل الإندورفين، تسهم في رفع مستوى الترابط والثقة المتبادلة بين الأفراد، وهو ما يعزز القدرة على التعاون في مواجهة التحديات البيئية والنزاعات مع الجماعات الأخرى.

وبينما تركز بعض المقاربات النقدية للدين على وظائفه القمعية أو دوره في تغذية العنف، يحاول دنبار رسم صورة أكثر تركيبًا، فيشير في محاضرة موسّعة أخرى تناقش الكتاب إلى أن الظاهرة الدينية حملت في الوقت ذاته إمكانات للتضامن وتوسيع دوائر الانتماء. هذه القراءة لا تنفي ارتباط الدين بتجارب العنف أو ظهور الحركات المتطرفة أو الثقافات الطائفية، لكنها تضع هذه الظواهر ضمن إطار أوسع يتناول كيفية توظيف آليات الترابط الجماعي في سياقات مختلفة.



النقطة التي يوليها دنبار اهتمامًا خاصًا في كتابه الجديد هي العلاقة بين الدين واتساع حجم التجمعات البشرية منذ نشوء المجتمعات الزراعية الأولى قبل ما يقرب من ثمانية آلاف عام. فمع الانتقال من جماعات صغيرة نسبيًا إلى قرى ومدن تضم مئات أو آلاف الأفراد، لم تعد آليات الترابط البسيطة كافية للحفاظ على تماسك المجموعة، ليظهر الدين حينها كمنظومة رمزية وطقسية قادرة على خلق شعور بالانتماء المشترك يتجاوز نطاق العلاقات الشخصية المباشرة.

يتوسع دنبار في أعماله المطبوعة والحلقات الحوارية المرتبطة بها في تناول الأثر العصبي لممارسة الشعائر أو الإحساس الديني على الدماغ والجسد. فالمشاركة في الصلاة الجماعية أو الحضور في طقس طويل مصحوب بالإنشاد والحركة المتزامنة يمكن أن يوّلد حالة من التوافق العصبي بين الأفراد، تُقرأ في بعض الدراسات من خلال قياسات نشاط الدماغ أو مؤشرات فسيولوجية أخرى، وتُفسَّر كأحد مفاتيح بناء الثقة والتضامن داخل المجموعة.

في المقابل، يتطرق الباحث في محاضراته وحواراته إلى مسألة التنوّع الديني وتكرار ظهور الحركات الجديدة، من الجماعات الصغيرة ذات الطابع الانعزالي إلى الأديان العالمية. ويرى أن رصد هذه الحركات يوفر مادة غنية لفهم كيفية إعادة صياغة الرموز والطقوس لتلبية حاجات جماعات مختلفة في مراحل تاريخية متعاقبة، بما في ذلك الحركات التي ظهرت في العصر الحديث واستفادت من أدوات الإعلام الجديد لإعادة تشكيل أنماط الانتماء الروحي.

كما يتناول دنبار سؤالاً كثير التداول في الدراسات المعاصرة حول ما إذا كان الميل الديني سمة متجذرة في البنية العصبية لجميع البشر أم أن هناك درجات فردية متفاوتة من القابلية الإيمانية. وتستند هذه المناقشات إلى أبحاث تقارن بين الأفراد والمؤشرات المرتبطة بالحساسية للخبرات الروحية أو الاستعداد للدخول في حالات وجدانية عميقة، مع بحث أثر ذلك على نمط الانخراط في الأطر الدينية التقليدية أو البديلة.

أهمية البودكاست الذي تقدمه "بي بي سي ساينس فوكس" تكمن في أنه يقدم مدخلًا مبسطًا ومباشرًا إلى هذه الأسئلة المعقّدة، بأسلوب يناسب جمهورًا واسعًا مع الحفاظ على الصلة بالأبحاث الأكاديمية التي يصدرها دنبار. كما يتيح الاشتراك في النسخة الإضافية Instant Genius Extra على منصّة "آبل بودكاست" فرصة التعمّق أكثر في الجوانب العصبية للسلوك الروحي، من خلال شرح مستفيض لكيفية "سحر" التجربة الروحية على الدماغ كما يصفه الباحث.

يمنح هذا النوع من الحوارات مادة أولية غنية للصحافة العلمية والبحثية، لكونه يقدّم نموذجًا لكيفية تناول ظاهرة محورية في التاريخ الإنساني بلغة مستندة إلى البيانات التجريبية مع إدراك تعدّد أبعادها الثقافية والاجتماعية. ولصحافي مهتم بتقاطع الذكاء الاصطناعي مع الإعلام، يمكن لمثل هذه الأطروحات أن تغذّي مسارات مقارنة حول كيفية استخدام الخوارزميات لنمذجة السلوك الديني أو تحليل أنماط الانتماء الجماعي، ما يفتح مجالات جديدة للتغطية النقدية والمشاريع التفسيرية المتعددة الوسائط.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280908/robin-dunba...


: في نفس القسم