هل يمكن لجنرال يتفاخر في رسائله الخاصة بصور آذانٍ بشرية مقطوعة، يصفها بـ"الجزرة" أو "القلادة" أو "الزينة"، أن يدّعي لاحقاً أنه يجهل وقوع جرائم حرب؟ تحقيق صحفي نشرته إذاعة "راديو ليبرتي" كشف أن اللواء الروسي رومان ديمورتشيف، نائب قائد تشكيل عسكري في الجبهة الغربية، قام طوال الشهور الماضية بتداول صور وملفات صوتية داخل مراسلات خاصة، يتباهى فيها بتعذيب أسرى حرب أوكرانيين وإعدامهم خارج القانون. في هذه الرسائل، لا يظهر الجنرال كقائد يضبط سلوك قواته، بل كفاعل مباشر أو شريك في صناعة مشهد الرعب، يحوله إلى مادة تفاخر ومساومة.
يتحدث التحقيق عن حصول الصحفيين على غيغابايت من المراسلات والرسائل الصوتية، يتفاخر فيها ديمورتشيف بصور آذانٍ مقطوعة لأسرى أوكرانيين، يصفها مرة بأنها "زينة" ومرة بأنها "قلادة" يمكن تعليقها، بل ويقدمها لزوجته كأنها تذكار حرب. في إحدى الصور، تبدو أذن بشرية معلقة في سلك معدني، وفي صور أخرى تظهر رؤوس أسرى بضمادات ملطخة بالدماء تغطي موضع الأذن المبتورة. الأسوأ من ذلك أن لغة الجنرال لا تعكس مجرد توحش عابر، بل تطبيعاً كاملاً لفكرة التعذيب بوصفها أداة من أدوات الحرب و"الإنجاز" العسكري. ومع أن الصحفيين حاولوا الحصول على تعليق منه، فإنه لم يرد على أي من أسئلتهم، تاركاً لمحتوى رسائله مهمة الإجابة.
في خلفية هذه الواقعة، كانت السلطات الأوكرانية قد أعلنت مراراً أن أجهزة التحقيق لديها توثّق حالات تعذيب وإعدامات ميدانية لأسرى حرب ارتكبتها القوات الروسية، إلى جانب شهادات روس فرّوا من بلادهم وأكدوا تعرض أسرى أوكرانيين وجنود روس أيضاً لسوء المعاملة والتنكيل. هذه الشهادات، حين توضع إلى جانب مراسلات جنرال يتباهى بالأذن المقطوعة كغنيمة، ترسم صورة أبعد من "تجاوز فردي" وأقرب إلى مناخ عام يتسامح مع الجريمة بل ويكافئ مرتكبيها. فهل يمكن في مثل هذا السياق الحديث عن "حوادث معزولة"، أم أننا أمام نمط منهجي يرقى إلى مستوى جريمة حرب موثقة يجب أن تُعرض على العدالة الدولية؟
حتى الآن، لم يصدر عن وزارة الدفاع الروسية أي تعليق رسمي على هذه الاتهامات الجديدة، رغم تداول التحقيق في وسائل إعلام دولية واستشهاده في صحف كبرى. الصمت هنا ليس مجرد موقف إعلامي، بل يتحول بدوره إلى جزء من القصة: دولة تلتزم التجاهل، وجنرال يصمت، وملفات مسربة تتكلم بوضوح عن ثقافة عنفٍ تنظر إلى جسد الأسير كمساحة مباحة للتمثيل والاستعراض. إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الإنكار قبل أن يتحول إلى إدانة سياسية وأخلاقية شاملة للنظام العسكري الذي ينتج مثل هذه الممارسات ويغطي عليها؟
خلف الصور القاسية والتعابير الساخرة عن "آذان تُعلّق كزينة"، يطل سؤال أخلاقي أعمق: ماذا تفعل الحرب بضمير الجيوش والمجتمعات حين تتحول الجثث والأعضاء البشرية إلى رموز ولاء وشجاعة زائفة؟ وهل يمكن أن يمر هذا النوع من "جمالية القسوة" دون أن يترك ندبة طويلة الأمد، ليس فقط على ضحاياها المباشرين، بل على صورة الجيش الروسي نفسه وعلى ذاكرة الحرب في أوروبا كلها؟ الأسئلة كثيرة، لكن المؤكد أن الرسائل المسربة أزالت آخر ما تبقى من ستارٍ بين الخطاب الرسمي والواقع الدموي على الأرض، وجعلت من الصعب على العالم أن يتجاهل ما يجري في الظل.
المصدر : https://alarabiya.articlophile.com/blog/i/94832276...


