يقدّم الحوار المطوّل مع رائد الثقافة الرقمية ستيوارت براند في صحيفة الغارديان صورة بانورامية لمسار شخصي وفكري امتد منذ ستينيات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة، عبر مسار غير تقليدي جمع بين الصحافة والبحث المستقبلي وريادة المبادرات الثقافية والتقنية. يستعيد النص أدوار براند المتعددة، من مشارك في مشهد مضاد للثقافة في سان فرانسيسكو إلى واحد من المرجعيات الفكرية التي أثرت في خيال وادي السيليكون ورموزه المعاصرة مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس، مع تركيز خاص على فكرة أن مستقبل البشر ليس قدراً مغلقاً بل مجالاً يمكن التدخل فيه وتشكيله بوعي.
يربط المقال بين شهرة براند الأولى من خلال إصداره "Whole Earth Catalog" الذي احتفى بالأدوات والأفكار الموجهة إلى الأفراد الباحثين عن أنماط عيش وتجريب جديدة، وبين حضوره اللاحق في قلب الثورة الرقمية التي انطلقت من كاليفورنيا وتحوّلت إلى أحد المحركات الأساسية للعولمة التقنية والاقتصادية. يشير النص إلى أن هذا الكتالوغ، الذي احتفى به ستيف جوبز في خطاب تخرّجه بجامعة ستانفورد عام 2005، مثّل لدى جيل كامل مختبراً مبكراً لفكرة أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تمكين فردي ومجتمعي في آن واحد. في خلفية هذا المسار، يظهر براند بوصفه شخصية تتحرك باستمرار بين التجريب الفكري، وتنظيم الفعاليات، والعمل الاستشاري، والكتابة التي تراكمت عبر عقود لتشكّل أرشيفاً حياً لتحولات التقنية والثقافة.
يلفت المقال إلى أن براند، وهو في السابعة والثمانين اليوم، لا ينظر إلى الماضي بوصفه رصيداً منجزاً بقدر ما يراه مادة للتفكير في الزمن الطويل؛ وهو ما يتجسد في عمله داخل "Long Now Foundation" التي تتبنى أفقاً زمنياً يمتد إلى عشرة آلاف سنة مقبلة، في محاولة لإعادة توسيع منظور القرار السياسي والتقني بعيداً عن دورات الانتخابات والأسواق القصيرة. يربط الحوار بين هذه الرؤية وبين مشروع "ساعة طويلة الأمد" الذي يسعى إلى تجسيد فكرة الزمن البعيد في شكل مادي يمكن تأمله والتفاعل معه، بما يذكّر بأن الاستمرارية والبقاء ليسا مجرد مفردات نظرية بل هما أيضاً تصميم وبنية تحتية ومؤسسات.
في موازاة هذا الاهتمام بالزمن، يركّز براند في كتابه الجديد "Maintenance of Everything" على مفهوم الصيانة باعتباره عنصراً مركزياً في الحضارة، في مقابل النزوع الشائع إلى تمجيد الاختراع والابتكار وحدهما. يقدم المقال هذا الكتاب بوصفه محاولة لتغيير زاوية النظر إلى العالم المادي والمؤسساتي المحيط بنا، من الهوس الدائم بـ"الجديد" إلى تقدير العمل غير المرئي الذي يحافظ على استمرارية الأنظمة، من الجسور والشبكات الرقمية إلى المكتبات والبيئات الطبيعية. هذه المقاربة تضع براند في موقع مغاير للسردية التي ارتبطت ببعض أوساط وادي السيليكون تحت شعار "التحطيم السريع"، إذ يدفع نحو تقدير منطق الاستدامة والتدريج في مواجهة منطق القطيعة المتعجلة.
يتناول الحوار أيضاً علاقة براند برجال الأعمال البارزين في قطاع التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس، بوصفها علاقة مركّبة تتراوح بين الإعجاب بجرأتهم في التفكير الكوكبي الطويل المدى، وخاصة في مجالات الفضاء والبنى التحتية الكبرى، وبين التنبيه إلى الفوارق بين رؤيته هو، التي تراهن على تقوية المنظومات القائمة وصيانتها، وبين توجهاتهم التي تميل أحياناً إلى إعادة ترسيم موازين القوة الاقتصادية والسياسية عبر أدوات تقنية جديدة. يقدم المقال براند كشاهد على التحول من طموح "كومنولث رقمي" مفتوح إلى منظومات متمركزة حول منصات عملاقة ذات نفوذ واسع.
تعود المقابلة مراراً إلى فكرة أن تخيل المستقبل ليس تمريناً حيادياً، بل هو فعل له تبعات عملية؛ إذ يوضح براند، كما ينقل النص، أن من الصعب على البشر أن يتصوروا سيناريوهات جيدة بالقدر ذاته الذي يتخيلون السيناريوهات السيئة، لكن هذه الصعوبة لا تعني القبول بما يُقدَّم لهم كمسار واحد محتوم. يذهب الحوار إلى أن وعي الأفراد والمؤسسات بالمسارات البديلة، ورصد الإشارات المبكرة لكل مسار، يمكن أن يوجّه القرارات اليومية الصغيرة باتجاه مستقبل أكثر توافقاً مع ما يفضله هؤلاء الفاعلون. بهذا المعنى، تتحول مقولة "عدم القبول السلبي بالمصير" إلى إطار عملي للتعامل مع الخيارات التقنية والبيئية والسياسية، وليس مجرد شعار خطابي.
من زاوية الفكر المستقبلي، يقدّم المقال مادة غنية لفهم الجيل المؤسس للخيال الرقمي الذي سبق الموجة الحالية من نقاشات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية. يظهر براند في هذا السياق كحلقة وصل بين موجات متعاقبة: من الهلوسة البصرية للستينيات، إلى الحواسيب الشخصية وشبكات الاتصالات، وصولاً إلى أسئلة الصيانة، والبيئة، والزمن الطويل التي تفرض نفسها اليوم على شركات التقنية وحكومات الدول على حد سواء. يلتقط النص هذه الخيوط ليبلورها في سيرة فكرية مفادها أن التقدم التقني، في نظر براند، لا ينفصل عن مسؤولية إبطاء الإيقاع عند الضرورة، ورعاية ما هو قائم، والإنصات إلى ما يمكن أن يحدث إذا اختارت المجتمعات ألا تتعامل مع المستقبل كقدر مفروض، بل كمجال مفتوح للتعديل المتدرّج.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95410520/astor-altk...