انطلاقاً من تحذير وجهه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في خطاب وداعه بشأن خطر "مجمع تقني-صناعي" ناشئ، يقدّم الصحفي المستقل جيل دوران -المستشار السياسي السابق لكامالا هاريس- في كتابه الجديد The Nerd Reich قراءة موثقة لتغلغل مليارديرات التكنولوجيا في مفاصل السلطة الأمريكية. وفي حوار أجرته معه أليكساندرا كلينيك من مختبر الإعلام التابع لقناة France Télévisions، ونشرته مجلة Méta-Media، يفصّل دوران كيف تحوّلت أفكار كانت تبدو هامشية إلى سياسات فعلية داخل البيت الأبيض.
منذ إعادة انتخاب دونالد ترامب، بايعت كبرى شركات التكنولوجيا الرئيس الجديد، إذ ضخّت أمازون وآبل وميتا وغوغل ومايكروسوفت مليون دولار لكل منها في صندوق حفل تنصيبه، وانضم إليها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI الذي كان قد شبّه ترامب سابقاً بأدولف هتلر. ويبرز في هذا المشهد بيتر ثيل، أحد مؤسسي PayPal وشركة Palantir وأول مستثمر في فيسبوك، الذي وضع ستة عشر من المقربين منه في مناصب رئيسية بالإدارة الأمريكية، على رأسهم نائب الرئيس جي دي فانس. وحصلت Palantir، شركة المراقبة التي أسسها، على عقد بقيمة 30 مليون دولار لتزويد جهاز الهجرة والجمارك الأمريكي بنظام ImmigrationOS المخصص لتعقب المرشحين للترحيل.
يستند نفوذ هؤلاء إلى رؤية أيديولوجية واضحة؛ ففي عام 2009 كتب ثيل أنه لم يعد يؤمن بتوافق الحرية والديمقراطية، مستلهماً كتاب The Sovereign Individual الصادر عام 1995 الذي تنبأ بأن تقنيات القرن الحادي والعشرين ستُفقر الدول وتُفكك الوظائف وتُنتج طبقة جديدة من أثرياء التكنولوجيا لا ولاء لها لأي أمة. ومن هذا المنطلق موّل ثيل شبكة من المنظرين، أبرزهم كورتيس يارفن، المدافع عن فكرة "الرئيس التنفيذي الملك"، وبالاجي سريفينيفاسان الذي صاغ مشروعاً لاستبدال الدول بمدن-دول تُدار كشركات. ويرى دوران أن هذه الأفكار التي بدت لسنوات ضرباً من الخيال العلمي الهامشي أصبحت اليوم الموجّه الفعلي لبعض أثرى رجال العالم، محذراً من أن خيانة الأثرياء لأوطانهم تُنتج أزمة وجودية حقيقية.
وحول اختيار عنوان الكتاب، يوضح دوران أن التسمية جاءته من أحد العاملين في قطاع العملات الرقمية الذي وصف هذه الفئة من رجال الأعمال بـ"الرايخ المهووس بالتقنية"، فتبناها ليصفهم بها. ويربط الكاتب صعود هذا التيار بما يسميه "ذهان المليارديرات"، أي أن الثروة الهائلة، بدل أن تمنح أصحابها الرضا، تدفعهم إلى شهية لا تشبع للسلطة، مستفيدين من كون الديمقراطية الأمريكية، على حد تعبيره، "معروضة للبيع". ويذهب ثيل، بحسب الكتاب، إلى أن التكنولوجيا سلاح سيقضي على الديمقراطية في القرن الحالي، وأنه لا حاجة إلى صناديق الاقتراع متى امتلك المرء القوة التقنية الكافية.
ومن هنا يفسَّر انجذاب إيلون ماسك لفكرة تأسيس مستعمرة على المريخ، وسعي ثيل نفسه لاستكشاف مدن عائمة، في إطار ما يعرف بـ"الدولة الشبكية" التي تقوم فيها شركات التكنولوجيا بتأسيس حكومات بديلة. ويستشهد دوران بمشروع Prospera في هندوراس، وهو رقعة أرض يديرها مليارديرات تكنولوجيون بقواعدهم الخاصة، فيما يحاول سكان هندوراس طرد المشروع بينما يقاضيهم أصحابه بمبلغ 10.8 مليار دولار، في مؤشر على الرفض المحلي المتكرر لهذا النوع من المشاريع أينما ظهرت.
ينتقد دوران وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، معتبراً أن هناك شبه قاعدة غير مكتوبة تمنع صحفاً مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست من التعامل بجدية مع هذه القضية، رغم أن أصحاب هذه الأفكار باتوا يملكون سلطة هائلة فعلياً. ويشدد على أن الصحفيين ليسوا من يقررون طبيعة الواقع، بل المليارديرات أنفسهم، آملاً أن تستفيق هيئات التحرير قبل فوات الأوان. ويلاحظ الكاتب أن الفئة ذاتها التي تشتري النفوذ السياسي باتت تسيطر أيضاً على قطاعات إستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية والدفاع والقطاع المصرفي، في مسعى لجمع كل روافع التحكم بين أيديها.
يضيف دوران أن العملات الرقمية، رغم محدودية استخدامها الفعلي بين الأمريكيين، تحوّلت إلى القوة المالية الأكثر نفوذاً في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى تدفق مليارات الدولارات نحو حسابات مرتبطة بعائلة ترامب. وعن التبعات الشخصية لنشر كتابه، يروي دوران أنه حُظر من منصة إكس بأمر من إيلون ماسك، وعُلّقت نشرته الإخبارية على فيسبوك، وأُوقفت قناته على يوتيوب، وهو ما يعتبره دليلاً على شعور هؤلاء المليارديرات بالتهديد من كتابه، مؤكداً أن الحظر ساهم في توسيع جمهوره بدل تقليصه.
وضمن هذه المجموعة الضيقة من أباطرة التكنولوجيا الذين يعيد دوران رسم ملامح نفوذهم، تحضر شخصية مارك زوكربيرغ بقوة كأحد النماذج البارزة لتقاطع الثروة والسلطة السياسية في الداخل الأمريكي. ولمواجهة هذا النفوذ، يدعو دوران إلى ما يسميه "ثورة فرنسية بسياسات معقولة بدل المقصلة"، عبر إصلاح ضريبي جذري يقيّد ثروات المليارديرات، وفرض عواقب صارمة على الشركات التي تستفيد من سياسات إدارة ترامب، وإعادة الوظائف الحكومية المخصخصة، بما فيها برامج الفضاء والتسلح، إلى الإشراف العام بدل تركها لمستثمري رأس المال الجريء والمليارديرات.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98161393/nerd-reich...