عُرض على يوتيوب، في عرض أول بتاريخ 30 أكتوبر 2026، فيلم الرعب القصير «REFUSE»، من كتابة وإخراج كينيث تشانغ وديفيد لي، ويؤدي فيه تشانغ نفسه دور البطل «جونا». ويلخّص الوصف الرسمي القصة في سطر واحد: شاب أمريكي من أصل كوري يعاني إدمان الميثامفيتامين، يحاول تنظيف قبو منزله المتسخ، فيكتشف شيئا شريرا كامنا بين نفاياته. وهذا التاريخ هو تاريخ نشر النسخة على المنصة، لا بالضرورة تاريخ إنتاج الفيلم أو عرضه الأول في المهرجانات.
غير أن السؤال الذي يحرّك الفيلم لا يقتصر على «هل هناك شيطان في القبو؟»، بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر إيلاما: ماذا يحدث لإنسان يعجز عن تجاوز فقده، ويعامله من حوله بوصفه شخصا ينبغي التخلّص منه؟
في أحد مشاهد الحوار، يتحدث جونا عن موت أبيه، وعن تعاطيه الذي يزداد كلما فكّر فيه، وعن غضبه من الكنيسة التي يرى أنها تخلّت عن الأب حتى قبل رحيله. ثم يطرح السؤال الذي يمكن اعتباره مفتاح العمل كله: ماذا لو كانت الشياطين مجرد أشخاص عاديين تخلّى عنهم الجميع؟
بهذه العبارة ينتقل الفيلم من سؤال ديني عن طبيعة الشر إلى سؤال أخلاقي عن طريقة معاملة المتألمين. فجونا يدافع عن نفسه من جهة، إذ يلمّح إلى أن ما يُعدّ فسادا أو «مسّا» قد يخفي إنسانا منكسرا؛ ويتهم محيطه من جهة أخرى، لأن نبذ المتألم لا يحل أزمته بل يعمّق عزلته. لكنها تبقى وجهة نظر شخصية داخل الحكاية، لا حكما نهائيا يفرضه المخرجان على المشاهد.
القبو والنفايات: الألم يتخذ شكلا ماديايضع الفيلم بداية الرعب في قبو متسخ وبين أكياس القمامة. ويصف جونا ما رآه بأنه جسد ينمو من كيس، ويقول إنه سمع صوت أبيه، لكنه لم يكن أباه. ومن هنا تنفتح قراءة رمزية متماسكة: القبو مساحة يُعزل فيها ما لا يريد المرء مواجهته، والنفايات المتراكمة أثر للإهمال ولتراكم الحزن والذكريات المؤلمة، والجسد الخارج من الكيس هو ما ظُنّ أنه انتهى فعاد بصورة لا يمكن تجاهلها.
أما الكائن الذي يتكلم بصوت الأب فهو أكثر عناصر الفيلم إثارة للقلق: إنه يمنح جونا ما يتوق إليه، أي حضور الأب، لكنه يحرمه في الوقت نفسه من القدرة على الوثوق بهذا الحضور. هكذا تصطدم محاولة «تنظيف المكان» بما لم يُحسم داخل صاحبه.
الإدمان والحزن: حلقة مغلقةيقرّ جونا بأنه كلما فكّر في أبيه تعاطى أكثر، وبأنه لا يعرف كيف يتخلّى عنه كما فعل الآخرون. فالإدمان هنا ليس تفصيلا يفسّر سلوك الشخصية، بل هو مرتبط مباشرة بعجزها عن احتمال الفقد: التذكّر يوقظ الألم، والتعاطي يصبح وسيلة للهروب منه، والهروب لا يتيح وداعا حقيقيا، فتظل العلاقة بالمفقود مفتوحة.
والمفارقة أن جونا قد يرى في استمرار حزنه وفاء، وفي تجاوز الآخرين للفقد خيانة. لذلك تحمل كلمة «التخلّي» في الفيلم معنيين متصارعين: قبول رحيل الأب، أو التخلّي عنه أخلاقيا. ولا يكفي ذلك للحكم بأن الأحداث الخارقة مجرد هلوسة؛ فالأنسب إبقاء الاحتمالين قائمين: كيان خارق داخل الحكاية، وتجسيد رمزي لأزمة نفسية.
الدين: طلب للنجدة واتهام بالتقصيريلجأ جونا إلى القس (يؤدي دوره جيمس كانغ) ويسأله عن طرد الأرواح، ويذكر أن شيئا خرج من فمه أثناء الصلاة، وهو في الوقت نفسه يوجّه غضبه إلى الكنيسة. فعلاقته بالدين ليست رفضا بسيطا: هو يحتاج إلى القس بحثا عن تفسير ومساعدة، لكنه لا يثق تماما بالمؤسسة التي يمثلها، ويخشى أن يُصنَّف هو نفسه مصدرا للشر بدل أن يُنظر إليه شخصا يحتاج إلى الرعاية.
لا يبدو الفيلم إذن عملا «ضد الدين»، بل يطرح احتمال وجود فجوة بين لغة الخلاص وممارسة الاحتواء. كما أن تقديمه بوصفه رعبا كوريا أمريكيا يمنح السياق الثقافي أهمية، دون أن يبرّر تعميم سلوك شخصياته على الكنائس الكورية الأمريكية أو على الجالية كلها.
عنوان بقراءتينيحتمل العنوان الإنجليزي Refuse معنيين: الاسم بمعنى «النفايات»، والفعل بمعنى «يرفض». الأول متصل مباشرة بالقصة، أما الثاني فيفتح بابا للتأويل: رفض جونا قبول رحيل أبيه، وإحساسه بأن الجماعة رفضت الأب ورفضته هو أيضا، ورفض ما أُلقي جانبا أن يختفي نهائيا. ولا يمكن الجزم بأن هذه الازدواجية مقصودة دون تصريح من صانعي الفيلم، لكنها قراءة يدعمها التقاء العنوان مع النفايات والفقد والتخلّي.
الصوت والنهاية: ما يبقى مفتوحايحضر في الفيلم الغناء والموسيقى والصراخ، وترد فيه عبارة «عيد ميلاد مجيد». ويستحق الانتباه أثناء المشاهدة ما إذا كانت الموسيقى ترتبط بالطمأنينة العائلية أو الدينية ثم تتعارض مع العنف، فيتحوّل المألوف الآمن إلى مصدر قلق. أما النهاية فتغلب عليها الصرخات والضحك والبكاء، وتبقى مفتوحة على أكثر من تأويل لمصير الشخصيات وطبيعة التحوّل الأخير.
خلاصةأقوى ما في «REFUSE» تحويله فكرة «التخلّي» إلى محور يجمع الأب المفقود، والابن المدمن، والكنيسة، والنفايات. فالوحش، وفق هذه القراءة، لا يهدد جونا من الخارج فحسب، بل يعيد إليه ما لا يستطيع فقدانه ولا التعايش معه. ويبقى رهان الفيلم في قدرة الصورة والأداء والصوت على جعل هذه الاستعارة محسوسة، لا مجرد فكرة يشرحها الحوار.
بطاقة الفيلم العنوان: REFUSE (فيلم رعب قصير) الكتابة والإخراج: كينيث تشانغ وديفيد لي الإنتاج: سيندي لو، مع ستيفن شايدلر ومايكل كينسمان وكينيث تشانغ التمثيل: كينيث تشانغ (جونا)، ميشيل أوك لي، جيمس كانغ (القس لي)، روبن تشينغ، كلارا يونغ، كريستال لي، جيسيكا وانغ التصوير: جين كيم المونتاج: دالتون برايس الموسيقى الأصلية: ماثيو وانغ النشر على يوتيوب: عرض أول في 30 أكتوبر 2026 اقرأ أيضا في «نور» «أيام الآحاد»: فتاة تختار الدير وعائلة تقاوم السينما والكاثوليكية: من المنع الكنسي إلى خطاب الصورةالمصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98580646/refuse...