تقدّم الكاتبة سارة تدلاوي في روايتها الأولى «Croire au code»، الصادرة عن دار هيلواز دورمسون، معالجة روائية لعالم الشركات الناشئة والذكاء الاصطناعي من خلال شخصية مهندسة شابة تنتهي في مستشفى للأمراض النفسية بعد مسار مهني قائم على السعي إلى النجاح والانضباط. وفي حوار مع برنامج «Les Matins» على إذاعة فرانس كولتور، ربطت تدلاوي مشروعها الأدبي بتجربتها المهنية السابقة في وادي السيليكون، حيث عملت لسنوات داخل مختبر للذكاء الاصطناعي شارك في تطوير نموذج مبكر للذكاء الاصطناعي التوليدي.
وقالت الكاتبة إن احتكاكها المباشر بتقنيات قادرة على إنتاج اللغة عبر توقّع الكلمة التالية دفعها إلى العودة المكثفة إلى الأدب. وقد انطلقت، بحسب عرضها، من سؤال يتعلق بما يتبقى للإنسان في اللغة حين تصبح قابلة للتصنيع والمحاكاة. لذلك حاولت البحث في ما لا يمكن تحسينه حسابيا أو نسخه آليا في الكلام، وفي العناصر التي تجعل اللغة دليلا على حضور ذات إنسانية خلفها.
تتمحور الرواية حول راوية متفوقة دراسيا، تنحدر من أسرة متواضعة ذات أصول مهاجرة، وتشق طريقها لتصبح مطورة بارعة. وقد جعلت من البرمجة وسيلة للابتعاد عن شروطها الاجتماعية، لأنها رأت في الكود فضاء تحكمه علاقات ثابتة بين السبب والنتيجة، وعلامات لا تقبل، من حيث المبدأ، سوى معنى واحدا. ومن هنا تحول الكود إلى مصدر أمان لها وإلى قاعدة تبني عليها طموحها، ضمن اعتقاد بأن تقليص حضورها الشخصي قد يعزز فرص نجاحها.
غير أن دخولها إلى بيئة الشركة يكشف لها حدود هذه المعادلة. فهي تلاحظ وجود عوائق مرتبطة بالمكانة الاجتماعية والنوع، وتدرك أن القواعد لا تُطبّق إلا بين أطراف متكافئة في القوة. ورغم وعيها بتلك الاختلالات، تواصل محاولة التكيف مع المنظومة السائدة، معتبرة أن طريق الوصول يمر عبر تعلم سلوك من يملكون النفوذ وتكرار أساليبهم.
وترى تدلاوي أن الشخصية لا ترغب في الاكتفاء بموقع المراقبة التي تشخّص ما يجري من حولها، بل تسعى إلى الفعل والصعود. لكن هذا السعي يجعل النجاح المهني محور هويتها الوحيد، ويقود إلى ما وصفته الكاتبة بتشرب القيود من الداخل. فالمشكلة، في منظور الرواية، لا تقتصر على أوامر المؤسسة أو ضغوط المجتمع، بل تشمل تشكل الرغبة ذاتها داخل منظومة لا تترك مجالا واضحا خارج منطق الأداء والتقييم المستمر.
ويحضر الجسد في الرواية بوصفه ما قاومته البطلة طويلا. فقد سعت إلى التجرد من عناصر هويتها الاجتماعية والجسدية، وإلى التعامل مع ذاتها بمنطق استراتيجي يقيس كل خطوة بحسب قدرتها على زيادة فرص النجاح. إلا أن الجسد يعود في البداية السردية من خلال الارتعاش والمرض والوجود في سرير المستشفى، بما يبدد وهم السيطرة الكاملة التي وعدت بها لغة البرمجة.
وعلى المستوى الأسلوبي، تبني الكاتبة توترا بين لغتين: لغة الكود التي لا تقبل الالتباس، ولغة الشعر التي تجعل الغموض مصدرا للمعنى. وتوضح تدلاوي أن روايتها ترصد أيضا أثر الخطابات التي يستهلكها الفرد، من شعارات الجدارة والإدارة إلى الأوامر العائلية والعاطفية ولغة التسويق والشبكات والسياسة. وتتحول هذه العبارات إلى شذرات تتجاور وتتعارض داخل النص، لتبيّن كيف يمكن للغة الموجهة لخدمة مصالح اقتصادية أن تصوغ التصورات والرغبات.
ولا تقدم الرواية الكود بوصفه عنصرا سلبيا خالصا. فالكاتبة تشير إلى أن فهم العالم على نحو آلي ومنظم قد يحمل جانبا من المتعة والاكتشاف، وأن بطلتها عرفت نشوة حقيقية حين كانت تبرمج وحدها وتراقب النتائج على شاشة الحاسوب. لكن هذه المتعة تتراجع أمام واقع مهني لا تكفي فيه جودة العمل أو صرامة الخوارزميات، إذ تتقدم عليهما اعتبارات النفوذ وقيمة الفرد في السوق والقدرة على دعم تقييم الشركة.
ومن خلال عالم التكنولوجيا، تقارب «Croire au code» علاقات القوة الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها موضوعا مركزيا، لا باعتبارها مجرد خلفية مهنية. وتتعامل تدلاوي مع هذا القطاع بوصفه عدسة مكبرة لاتجاهات أوسع، حيث تتداخل وعود الابتكار والجدارة مع ضغوط الأداء والتسويق وصناعة القيمة.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97963266/c...










