في الأسبوع 168 ساعة. فإذا نام المرء ثماني ساعات كل ليلة (أي 56 ساعة) وعمل 40 ساعة، بقيت له 72 ساعة كاملة ليكون صديقًا وشريكًا ووالدًا وفنانًا ورياضيًا وجارًا، وإنسانًا يعيش حياته ببساطة. هذا الحساب البسيط هو نقطة انطلاق مقال نشرته مجلة «سيلف» (SELF) الأمريكية لرائدة الأعمال أماندا غوتز، تطرح فيه سؤالًا يعرفه كثيرون: إذا كان العمل لا يشغل في الواقع سوى نحو ربع وقتنا، فلماذا نشعر بأنه يبتلع الحياة كلها؟
تسمّي غوتز هذه الظاهرة «الانشغال بلا غاية». فقد نشأ كثيرون منا على فكرة أن الإنتاجية دليل على القيمة، حتى صارت في عالم العمل أشبه بأوسمة يتباهى بها الكبار: نردّ على رسائل البريد الإلكتروني في ساعة متأخرة من الليل خشية أن يأخذ مكاننا من هو «أكثر جدية». ومع الوقت لم نعد نكتفي بإتقان عملنا، بل صرنا نتماهى معه. وترى الكاتبة أن ملاحقة الطموح المهني على حساب الفرح والراحة والمتعة أقصر طريق إلى الاحتراق النفسي. فالطموح في ذاته ليس عيبًا، لكنه يصبح سامًّا إذا استولى على سيناريو الحياة بأكمله. وتستند في ذلك إلى تجربتها الشخصية: أسّست شركتين، وشغلت منصب مديرة التسويق في عدة شركات، وربّت ثلاثة أطفال، وظلت طويلًا تصارع للتوفيق بين كل ذلك.
الخطوة الأولى في طريقتها هي ما تسميه «نظرية الشخصيات»: داخل كل واحد منا تتعايش شخصيات متعددة، لها حاجات متعارضة أحيانًا. هناك «المدير التنفيذي» الذي يمثّل الطموح، و«العاشق» الذي يحتاج إلى الحميمية، و«الصديق» الباحث عن الانتماء، و«الفنان» الذي يحمل شرارة الإبداع، و«المعالج» الذي يرعى الذات، و«المستكشف» الذي يحرّكه الفضول. والشعور بالانفصال عن الذات، بحسب غوتز، ينشأ غالبًا من استئثار شخصية أو اثنتين بالمشهد، وفي مقدمتها «المدير التنفيذي»، بينما تبقى البقية مجمّدة في الزمن. والحل عندها ليس توازنًا مثاليًا، بل «اختلال متعمَّد»: الحياة مواسم، ولنا أن نختار أيّ شخصية تتصدّر هذا الشهر أو هذا الأسبوع أو هذا اليوم.
الخطوة الثانية علاجٌ من «إدمان الطموح». فالطموح محرّك، لكنه ينقلب إلى عناد سامّ عندما يتجاهل كل إشارات الإنذار باسم مشروع آخر أو ترقية أو جلسة عمل إضافية. وتحدّد الكاتبة فخّين يغذّيان هذا العناد. الأول هو فخّ الاستعجال: كل شيء يبدو عاجلًا لأننا نحاول أن نكون كل شيء في آن واحد، والاختبار السريع أن نسأل: ما الذي سينكسر فعلًا إن لم أنجز هذا اليوم؟ والجواب في أغلب الأحيان: لا شيء. والثاني هو فخّ تضخيم الأهمية: إذا صار كل شيء «مهمًّا» لم يعد شيء مهمًّا، فننشغل بالكمّ، من ردّ وتحديث وتنقيح، بدل القيمة الحقيقية لما ننجزه. ويزيد الطين بلّة العملُ غير المرئي، وتطبيقات المراسلة المهنية التي نحملها في جيوبنا، والتصفّح الذي لا ينتهي.
ولمواجهة ذلك تقترح غوتز ثلاث خطوات: قائمة يومية من مهمّتين ملموستين فقط يُبدأ بهما قبل أي شيء آخر؛ وإدراج أوقات الراحة في الجدول الزمني بدل انتظار «وقت الفراغ»؛ و«تسمية الموسم»، أي الاعتراف صراحة بالفترات المكثّفة وتحديد تاريخ لنهايتها، مع التخطيط مسبقًا للحظة استرخاء واحتفال. والهدف، كما تقول، ليس الرضا بالقليل، بل توزيع الطاقة حتى لا تجور شخصية على وقت غيرها.
الخطوة الثالثة تخصّ ما تسميه ساعات «من الخامسة إلى التاسعة»، أي الوقت الذي يسبق العمل ويليه، والذي يذوب في التمرير على الشاشات إن لم نمنحه دورًا. وتستحضر الكاتبة سنواتها أمًّا لثلاثة أطفال دون الرابعة: لم يستغرب أحد مغادرتها المكتب في الخامسة مساءً لتتسلّم أطفالها من المربّية، لكن المرء يشعر بالذنب إذا فعل الشيء نفسه من أجل حصة رياضة أو راحة أو موعد مع شريك حياته. وتحذّر في المقابل من إفراط آخر: «تحسين» العناية بالذات على طريقة المؤثرين الذين يستيقظون فجرًا لاستثمار كل دقيقة، لأنه يهمل بدوره بقية الشخصيات.
وتقترح جدولًا من صفحة واحدة لأمسيات الأسبوع، يُسنَد فيه كل مساء إلى شخصية:
الإثنين، الرياضي: ثلاثون دقيقة من الحركة، والمشي يُحتسب. الثلاثاء، الصديق: محادثة حقيقية، أو التخطيط لشيء ننتظره بشوق. الأربعاء، الفنان: صنع شيء لا يُراد منه ربح، ولو لم يكن جميلًا. الخميس، الشريك: أجهزة مطفأة وتواصل حقيقي. الجمعة، المستكشف: مغامرة صغيرة، كدرس جديد أو حيّ لم نزره أو وصفة لم نجرّبها.ولتسهيل الانتقال، تنصح بطقس يعلن للجسد نهاية يوم العمل. أما طقسها الخاص فتحضير قائمة المهمّتين لليوم التالي، وإغلاق النوافذ المفتوحة على الحاسوب، ثم إعلان نهاية العمل بصوت مسموع، يعقبه نشاط حسّي كالاستحمام أو تمارين التمدّد أو نزهة قصيرة أو موسيقى لا تُسمع إلا بعد العمل.
تختم غوتز بصورة سينمائية: فيلم بشخصية واحدة لا يمتع أحدًا. فإذا منح المرء طاقته كاملة، تركيزًا وانتباهًا وجهدًا، لربع وقته المخصص لـ«المدير التنفيذي»، فذلك كافٍ. والمفاجأة، في رأيها، أن النتائج المهنية تتحسّن عادة بفضل هذا «الاختلال» المقصود.
وتبقى هذه الطريقة خلاصة تجربة شخصية تعرضها الكاتبة أيضًا في كتابها الجديد «Toxic Grit»، لا نتيجة دراسة علمية. كما أن هامش «الساعات الاثنتين والسبعين» يفترض أسبوع عمل من أربعين ساعة لا يتاح للجميع، خصوصًا لمن يجمعون بين أكثر من عمل أو يتحمّلون أعباء رعاية ثقيلة. لكن سؤالها الجوهري يظل صالحًا للجميع: أيّ الشخصيات في حياتنا تُركت طويلًا خارج المشهد؟
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
لماذا يتبدّد انتباهنا؟ أربع «عضلات» ذهنية يمكن تدريبها لاستعادة التركيز هل يكفي أن نتدرّب كثيرًا لنُتقن؟ (فِكرة)المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98536304/7...